يبدو أن تجربة محمد شوكي داخل حزب التجمع الوطني للأحرار لم تسر وفق السيناريو الذي رسمه لنفسه عندما قرر مغادرة حزب الأصالة والمعاصرة والالتحاق بحزب عزيز أخنوش، في خطوة كان يراهن من خلالها على فتح أبواب جديدة للصعود السياسي وتولي مواقع متقدمة داخل هياكل الحزب، قبل أن يجد نفسه اليوم أمام واقع سياسي وتنظيمي مختلف، عنوانه التراجع الانتخابي وتزايد الحديث عن تغيير القيادة مع اقتراب المؤتمر الوطني المقبل.
فبعدما كان شوكي من الوجوه البارزة داخل حزب الأصالة والمعاصرة، حيث تولى رئاسة فريقه النيابي بمجلس النواب، اختار الانتقال إلى حزب التجمع الوطني للأحرار، في مرحلة كان فيها التنظيم يعيش صعوداً سياسياً لافتاً بقيادة عزيز أخنوش، الذي نجح في تحويل الحزب إلى القوة الانتخابية الأولى خلال استحقاقات 2021.
وكشف مصدر من داخل حزب التجمع الوطني للأحرار، في تصريح لجريدة “كواليس الريف” أن شوكي عبّر لمقربين منه عن ندمه الشديد على قرار مغادرة الأصالة والمعاصرة والالتحاق بحزب الحمامة، وتحدث عن خيبة أمل مرتبطة بالوعود التي قُدمت له عند استقطابه، والمتعلقة بمنحه مكانة سياسية وتنظيمية وازنة، وفتح المجال أمامه لتولي مسؤوليات متقدمة داخل الحزب.
وكان شوكي.يعتقد أن انتقاله إلى حزب أخنوش سيشكل بوابة عبور نحو مواقع النفوذ والقرار، خصوصاً أن التجمع الوطني للأحرار كان يستعد آنذاك لخوض الانتخابات التشريعية بطموح تصدر المشهد السياسي وقيادة الحكومة. غير أن حسابات الصعود التي رافقت انتقاله لم تتحقق بالشكل الذي كان ينتظره، رغم وصوله لاحقاً إلى رئاسة الحزب نفسه.
وجاء التحول الأبرز في المسار السياسي لمحمد شوكي بعد قرار عزيز أخنوش عدم الاستمرار على رأس الحزب، حيث جرى انتخابه رئيساً جديداً للتجمع الوطني للأحرار خلال المؤتمر الاستثنائي المنعقد يوم 7 فبراير الماضي، ليجد نفسه في واجهة قيادة تنظيم سياسي اعتاد تقديم نفسه باعتباره القوة الأولى في المشهد الحزبي والحكومي.
لكن الرهان على المرحلة الجديدة لم يصمد أمام اختبار صناديق الاقتراع. فقد أخفق شوكي في الحفاظ على الموقع الذي حققه الحزب خلال انتخابات 2021، بعدما تعرض لتراجع انتخابي كبير في استحقاقات 23 شتنبر 2026 ، خسر خلالها الحزب حوالي نصف مقاعده البرلمانية، وفقد موقعه المتقدم في الخريطة السياسية، في نتيجة أعادت طرح أسئلة محرجة حول حصيلة القيادة السابقة وطريقة تدبير المرحلة التي أعقبت مغادرة أخنوش.
ولم تكن هذه النتيجة مجرد خسارة عدد من المقاعد، بل شكلت منعطفاً سياسياً بالنسبة إلى حزب كان يقود الحكومة ويتوفر على إمكانيات تنظيمية وسياسية واسعة، قبل أن يجد نفسه خارج الأغلبية الحكومية الجديدة، رغم إعلانه استعداده لمواصلة المشاركة في تدبير الشأن الحكومي.
وبالنسبة إلى شوكي، فإن هذه الهزيمة جاءت في توقيت بالغ الحساسية، بعدما تولى رئاسة الحزب على أساس مواصلة المسار الذي رسمه أخنوش، فإذا به يواجه أول استحقاق انتخابي كبير بنتيجة لم يتمكن من خلالها الحفاظ على إرث الصدارة الذي تسلمه من سلفه.
وفي خضم هذه التطورات، أعلن المكتب السياسي لحزب التجمع الوطني للأحرار عزمه عقد مؤتمره الوطني العادي يومي 22 و23 يناير 2027، في محطة ينتظر أن تعرف تجديد الهياكل الوطنية وإعادة ترتيب عدد من المواقع التنظيمية والسياسية داخل الحزب.
ورغم أن البلاغ الرسمي تحدث عن تجديد النخب وتطوير آليات الاشتغال وتعزيز الحضور الميداني والمؤسساتي، فإن النقاش داخل الأوساط الحزبية يتجاوز الجوانب التنظيمية، ليصل إلى مستقبل محمد شوكي على رأس الحزب، خصوصاً في ظل المعطيات التي تتحدث عن عدم اقتناع عدد من القيادات النافذة بقدرته على قيادة مرحلة إعادة البناء واستعادة الموقع الذي فقده الحزب انتخابياً.
وتشير مصادر من داخل الحزب إلى أن شوكي قد لا يستمر في منصبه بعد المؤتمر المقبل، وأن قيادة جديدة قد تتولى مسؤولية تدبير المرحلة، في ظل تداول اسمين بارزين ضمن المرشحين المحتملين لخلافته .
وتكشف هذه التطورات عن حجم التحولات التي يعيشها التجمع الوطني للأحرار منذ خروجه من الحكومة، بعدما انتقل من موقع قيادة الأغلبية إلى مرحلة مراجعة الحسابات الداخلية، والبحث عن أسباب التراجع الانتخابي، وإعادة ترتيب موازين القوى بين مختلف مكوناته.
وتعيد قصة انتقال شوكي من الأصالة والمعاصرة إلى التجمع الوطني للأحرار طرح تساؤلات بشأن الحسابات السياسية التي تحكم انتقال بعض الوجوه الحزبية بين التنظيمات، خصوصاً عندما تكون هذه الانتقالات مرتبطة بتوقعات الحصول على مواقع قيادية أو ضمان حضور أكبر في مراكز القرار.
فالرجل الذي كان يتولى مسؤولية بارزة داخل فريق الأصالة والمعاصرة النيابي، وجد نفسه بعد سنوات في رئاسة حزب التجمع الوطني للأحرار، لكنه وصل إلى هذا الموقع في مرحلة انتقالية لم تكن سهلة، وانتهت بهزيمة انتخابية وضعت مستقبله السياسي داخل الحزب موضع نقاش.
وبحسب رواية القيادي التجمعي، فإن الندم الذي عبّر عنه شوكي يرتبط أساساً بالقرار الذي اتخذه عند مغادرة حزب الأصالة والمعاصرة، بعدما كانت تطلعاته من الالتحاق بحزب أخنوش أكبر من النتائج التي انتهى إليها مساره داخله. وهي رواية تظل منسوبة إلى مصدر حزبي، في انتظار أي توضيح أو رد من المعني بالأمر.
وهكذا، يجد محمد شوكي نفسه أمام مفارقة سياسية لافتة: انتقل إلى التجمع الوطني للأحرار بحثاً عن موقع أكثر تقدماً داخل المشهد الحزبي، وانتهى به الأمر إلى قيادة الحزب نفسه، قبل أن تصبح مغادرته المحتملة على رأسه موضوعاً للنقاش مع اقتراب مؤتمر يناير 2027.
وبين الوعود التي قيل إنها رافقت استقطابه، والآمال التي بناها على صعود حزب الحمامة، والنتائج الانتخابية التي أعادت رسم موقعه داخل المشهد السياسي، تبدو تجربة شوكي مرشحة لأن تتحول إلى واحدة من أبرز محطات إعادة ترتيب القيادة داخل التجمع الوطني للأحرار، في انتظار ما ستسفر عنه حسابات المؤتمر الوطني المقبل.
01/11/2026