في مشهد يكشف بوضوح حجم التشابك الاقتصادي بين المغرب وإسبانيا، تجد الأسواق الإسبانية نفسها مضطرة إلى التعويل مجددا على الإنتاج الزراعي المغربي لتأمين حاجياتها من الفلفل، بعدما أظهرت أرقام التجارة الخارجية أن المملكة أصبحت المورد الرئيسي لهذا المنتج، في وقت تواجه فيه إسبانيا اختلالات إنتاجية متزايدة دفعت الأسعار إلى مستويات تصل إلى ضعف ما كانت عليه خلال السنة الماضية.
وتكشف معطيات التجارة الخارجية أن نحو 95 في المائة من الفلفل الذي استوردته إسبانيا من الخارج خلال النصف الأول من سنة 2026 جاء من المغرب، بحجم بلغ 79 مليون كيلوغرام، وهو رقم يعكس المكانة التي بات يحتلها الإنتاج المغربي داخل سلاسل الإمداد الزراعي للسوق الإسبانية.
لكن المفارقة أن هذا المورد الذي تلجأ إليه الأسواق الإسبانية لتغطية عجزها يواجه بدوره تحديات إنتاجية، إذ لا تتجاوز المحاصيل الحالية لدى بعض المنتجين المغاربة 35 في المائة من مستوياتها المعتادة خلال هذه الفترة من السنة، بسبب تأثيرات الحرارة وصعوبة حماية المزروعات من الآفات الزراعية، فضلا عن ضرورة الالتزام بالمعايير الأوروبية المتعلقة بالحدود المسموح بها لبقايا المبيدات.
وفي الضفة الأخرى، لا تبدو الصورة أكثر إشراقا بالنسبة إلى القطاع الزراعي الإسباني، بعدما تسببت الإصابات بحشرة التربس في خسائر مهمة داخل الضيعات الزراعية والبيوت المغطاة، ما زاد من تعقيد وضعية العرض في السوق المحلية، ورفع أسعار الفلفل إلى مستويات تصل إلى ضعف ما كانت عليه خلال السنة الماضية.
وبين تراجع الإنتاج المغربي والاضطرابات التي تضرب المحاصيل الإسبانية، تجد الأسواق في إسبانيا نفسها أمام معادلة صعبة، عنوانها ارتفاع الأسعار واستمرار الحاجة إلى الواردات المغربية، في مؤشر اقتصادي جديد على أن المغرب لم يعد مجرد جار تجاري قريب، بل تحول إلى شريك أساسي في تأمين عدد من المنتجات الفلاحية التي تحتاجها السوق الإسبانية.
وفي هذا السياق، توقع عبيدة منصور، مدير شركة “يونيفرسال بيبرز”، التي تنشط في زراعة الفلفل بالمغرب وإسبانيا، أن تستعيد الضيعات التابعة للشركة طاقتها الإنتاجية المعتادة خلال أسبوعين تقريبا، غير أن استمرار انتشار حشرة التربس داخل البيوت الزراعية الإسبانية يظل عاملا غير محسوم، وقد يساهم في إبقاء الطلب على الفلفل المغربي مرتفعا خلال ما تبقى من الموسم.
وتتجاوز دلالات هذه الأرقام مجرد حركة عادية للاستيراد والتصدير، فهي تضع أمام الإسبان حقيقة اقتصادية لا يمكن تجاهلها: حين يتراجع الإنتاج المحلي، يصبح المغرب أحد أهم منافذ الإنقاذ، وحين تضطرب سلاسل التوريد، تظهر القيمة الاستراتيجية للإنتاج الزراعي المغربي في السوق الأوروبية القريبة.
وفي المقابل، تكشف بيانات المبادلات التجارية المتعلقة بالخوخ والنكتارين عن مفارقة أخرى في العلاقات الزراعية بين البلدين، إذ بلغ متوسط القيمة الوحدوية لصادرات إسبانيا من هذه الفواكه نحو المغرب 0.65 يورو للكيلوغرام خلال الفترة الممتدة من يناير 2022 إلى يوليوز 2026، مقابل 1.61 يورو للكيلوغرام بالنسبة إلى باقي الأسواق.
وتستند هذه الأرقام إلى تحليل أعدته منصة “ويكيفارمر”، اعتمادا على بيانات مكتب الإحصاء الأوروبي “يوروستات كومكست”، حيث صدّرت إسبانيا نحو المغرب 2567 طنا من الخوخ والنكتارين خلال الفترة المذكورة، مع تسجيل قيمة وحدوية تقل بنحو 60 في المائة عن متوسط القيمة المسجلة في صادراتها إلى باقي الأسواق.
غير أن هذه الأرقام تتعلق بالقيمة المصرح بها للصادرات عند الحدود الإسبانية، قبل احتساب تكاليف النقل، ولا تمثل بالضرورة سعر البيع النهائي أو الثمن الذي يؤديه المستهلك المغربي.
وهكذا، يبدو أن إسبانيا اكتشفت، بعد فوات الأوان، أن الجار المغربي ليس مجرد سوق لتصريف الخوخ والنكتارين، بل هو أيضا “خطة الإنقاذ” حين تعجز حقولها عن توفير الفلفل! فمدريد التي اعتادت النظر إلى المغرب من شرفة التصدير، وجدت نفسها اليوم تطرق بابه بحثا عن محصول يسد خصاص أسواقها ويخفف فاتورة أزمتها.
إنها مفارقة تستحق التأمل: حين تكون المحاصيل وفيرة، تتذكر إسبانيا المغرب زبونا لتصريف منتجاتها، وحين تجف الحقول وتشتعل الأسعار، تكتشفه موردا لا غنى عنه. ويبدو أن الجغرافيا لم تعد وحدها من يحدد من يحتاج إلى من، فحتى الفلفل المغربي بات قادرا على تلقين بعض الحسابات الإسبانية درسا في معنى الاعتماد المتبادل!
03/11/2026