kawalisrif@hotmail.com

فيتو موسكو ينقلب على الجزائر والبوليساريو … احتفالات بإسقاط القرار الأمريكي تنتهي بمآسي نفسية بعد 35 سنة !

فيتو موسكو ينقلب على الجزائر والبوليساريو … احتفالات بإسقاط القرار الأمريكي تنتهي بمآسي نفسية بعد 35 سنة !

من نشوة الاحتفال بالفيتو الروسي إلى خطاب الأسف والقلق.. تناقض يكشف حجم المأزق الذي وجدت فيه الجزائر وجبهة البوليساريو نفسيهما بعدما انتهى التصعيد الدبلوماسي داخل مجلس الأمن إلى نتيجة لم تكن في حساباتهما: سقوط آلية أممية ظلتا تراهنان عليها لعقود.

لم تحتج الجزائر وجبهة البوليساريو سوى أقل من 48 ساعة للانتقال من الاحتفاء بالموقف الروسي داخل مجلس الأمن إلى التعبير عن الأسف والقلق إزاء عدم تمديد ولاية بعثة المينورسو، في مشهد يطرح أسئلة محرجة حول طبيعة الحسابات التي حكمت موقفهما من المواجهة الدبلوماسية الأخيرة.

فما اعتبرته الجبهة والجزائر انتصاراً بمجرد استخدام موسكو حق النقض ضد المشروع الأمريكي، سرعان ما تحول إلى مأزق سياسي بعدما فشل المشروع الروسي البديل بدوره في الحصول على الأصوات الكافية، لتجد الأطراف التي احتفت بإسقاط المبادرة الأمريكية نفسها أمام واقع انتهاء ولاية البعثة الأممية في 31 أكتوبر 2026، بعد 35 عاماً من وجودها.

وهكذا، لم يكن إسقاط المشروع الأمريكي كافياً لتحقيق الهدف الذي راهنت عليه الجزائر والبوليساريو، بل انتهى المسار إلى تعطيل مشروعي القرار معاً، وفتح مرحلة جديدة تختلف جذرياً عن قواعد الاشتباك الدبلوماسي التي اعتاد الطرفان التحرك ضمنها.

### موسكو أسقطت المشروع الأمريكي.. لكن حسابات الجزائر اصطدمت بالواقع

بدأت فصول هذا الارتباك عندما سارع ممثل جبهة البوليساريو لدى الأمم المتحدة، سيدي محمد عمار، إلى الترحيب بالفيتو الروسي، مقدماً إياه باعتباره محطة تاريخية حالت دون اعتماد الحكم الذاتي المغربي أساساً حصرياً للتسوية السياسية.

ولم يتأخر السفير الجزائري عمار بن جامع في الانضمام إلى هذا الاحتفاء، إذ وجه الشكر إلى موسكو على تقديم مشروع بديل لتمديد ولاية المينورسو، في محاولة لإظهار أن التحرك الروسي يخدم الموقف الذي تدافع عنه الجزائر والجبهة الانفصالية.

لكن نتائج التصويت حملت تطورات مغايرة تماماً لهذه الحسابات؛ فالمشروع الروسي لم يحصل سوى على صوتين مؤيدين، مقابل صوت معارض وامتناع 11 دولة، وهو ما كشف محدودية الدعم الذي حظي به داخل مجلس الأمن.

وبينما انشغلت الجزائر والبوليساريو بالاحتفال بإفشال المشروع الأمريكي، كانت النتيجة العملية أكثر تعقيداً: لا مشروع أمريكي مرّ، ولا مشروع روسي نجح، وانتهت ولاية بعثة المينورسو دون تجديد.

وهنا تحديداً برز التناقض بين الخطاب الذي صاحب الفيتو الروسي والواقع الذي أعقبه، بعدما أصبح الطرفان مطالبين بالتعامل مع تداعيات غياب آلية أممية ظلت تشكل جزءاً أساسياً من رهاناتهما السياسية.

### الجزائر تتراجع من لغة الاحتفال إلى بيان الأسف

لم تستطع الدبلوماسية الجزائرية إخفاء حجم الإرباك الذي خلفته هذه التطورات، إذ سارعت وزارة الخارجية، في بيان صدر يوم 31 أكتوبر، إلى التعبير عن أسفها العميق لعدم تجديد ولاية المينورسو، محملة ما وصفته بالانحياز المفرط للمشروع الأمريكي لصالح المغرب مسؤولية الوصول إلى هذا الوضع.

واللافت أن الجزائر التي رحبت بالتحرك الروسي وشكرت موسكو على مشروعها البديل، وجدت نفسها لاحقاً أمام واقع لم يكن تمديد البعثة فيه ممكناً بعد فشل المشروع الروسي في استقطاب الأغلبية المطلوبة.

وهذا التناقض يضع السياسة الجزائرية أمام سؤال جوهري: هل كان الهدف إسقاط المشروع الأمريكي فقط، أم الحفاظ على آلية المينورسو التي ظلت الجزائر تراهن على استمرارها باعتبارها إحدى الأدوات المركزية لإدارة النزاع داخل الأمم المتحدة؟

فالتصفيق للفيتو شيء، وتحمل النتائج السياسية المترتبة عليه شيء آخر تماماً.

### البوليساريو تتخلى عن لغة التهديد وتبحث عن مخرج أممي

أما جبهة البوليساريو، فقد كشفت مواقفها المتعاقبة عن تحول واضح في خطابها السياسي.

فبعدما لوحت سابقاً بالانسحاب من العملية السياسية في حال اعتماد مجلس الأمن المشروع الأمريكي دون إدخال تعديلات جوهرية عليه، عادت في بيان صادر بتاريخ فاتح نونبر لتعلن استعدادها للتعاون مع الأمين العام للأمم المتحدة ومجلس الأمن من أجل البحث عن تسوية سياسية.

وبين الموقفين مسافة سياسية تستحق التوقف عندها؛ فالجبهة التي احتفت بالتدخل الروسي الذي أسقط مشروع تمديد المينورسو، وجدت نفسها مضطرة إلى التأكيد مجدداً على استعدادها للتعاون مع المؤسسات الأممية، بعدما أصبحت تداعيات انتهاء مهمة البعثة واقعاً يتعين التعامل معه.

كما حملت الجبهة المغرب وحلفاءه مسؤولية توقف عمليات البعثة، في محاولة لتوجيه الأنظار بعيداً عن التناقض الذي طبع مواقفها من الفيتو الروسي ونتائج التصويت اللاحقة.

غير أن التحول الأبرز يتمثل في انتقالها من التلويح بالانسحاب من المسار السياسي إلى التشبث بالتعاون مع الأمم المتحدة، وهو ما يعكس حساسية المرحلة الجديدة بالنسبة إلى حساباتها الدبلوماسية.

### المغرب ينتقل إلى مرحلة جديدة والجزائر تواجه أسئلة الحسابات الخاطئة

في المقابل، يتعامل المغرب مع هذا التطور باعتباره محطة سياسية مهمة في مسار الدفاع عن مبادرته للحكم الذاتي، خاصة بعدما اعتبر الديوان الملكي عدم تجديد ولاية المينورسو خطوة مهمة نحو الإغلاق النهائي لملف الصحراء داخل الأمم المتحدة، مع التأكيد على ضرورة إنهاء وجود البعثة ومعداتها في الأقاليم الجنوبية.

وتكتسب هذه التطورات أهميتها من كونها تفتح نقاشاً جديداً حول مستقبل الآليات التي ظلت تؤطر حضور الأمم المتحدة ميدانياً في الصحراء منذ سنة 1991، ومدى قدرة الأطراف المعنية على مواصلة تدبير الملف وفق الصيغ السابقة.

ومع ذلك، فإن انتهاء ولاية المينورسو لا يعني تلقائياً انتهاء النزاع أو إغلاق الملف داخل المنظمة الأممية، خصوصاً أن الأمين العام للأمم المتحدة أكد استمرار دعم الجهود السياسية من خلال مبعوثه الشخصي ستافان دي ميستورا.

لكن ما لا يمكن تجاهله هو أن الجزائر والبوليساريو أصبحتا أمام معادلة مختلفة: فقد احتفتا بإسقاط المشروع الأمريكي، وشكرتا موسكو على تدخلها، قبل أن تعودا للتعبير عن الأسف بسبب عدم تمديد البعثة التي كان استمرارها يشكل جزءاً من رهاناتهما السياسية.

وهكذا، تحولت جلسة مجلس الأمن من مناسبة للاحتفال بفيتو روسي إلى اختبار حقيقي لحسابات الجزائر والبوليساريو، بعدما اتضح أن إسقاط مشروع لا يعني بالضرورة تحقيق مكسب سياسي، وأن الرهان على تعطيل المبادرة المغربية قد يفضي إلى نتائج تتجاوز ما كان الطرفان يتوقعانه.

والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل كانت الجزائر والبوليساريو تدركان أن الاحتفاء بإسقاط المشروع الأمريكي قد يفتح الباب أمام نهاية الآلية الأممية التي ظلتا تتمسكان بها طوال 35 عاماً، أم أن حساباتهما توقفت عند لحظة الفيتو دون تقدير ما سيأتي بعدها؟

03/11/2026

مقالات خاصة

Related Posts