وجدت حكومة فاطمة الزهراء المنصوري نفسها أمام معادلة سياسية معقدة، فبينما تستند إلى أغلبية برلمانية مريحة داخل مجلس النواب، تبدو وضعيتها أكثر هشاشة داخل مجلس المستشارين، حيث لا تمتلك أحزاب التحالف الحكومي العدد الكافي لضمان تمرير مشاريعها التشريعية دون الحاجة إلى تفاهمات وتحالفات مع مكونات أخرى.
وتكشف الأرقام عن تفاوت واضح في موازين القوى بين الغرفتين، إذ تتوفر الأغلبية الحكومية بمجلس النواب على نحو 235 صوتاً من أصل 395، باحتساب 210 أصوات للأحزاب الأربعة المشكلة للحكومة، إلى جانب 25 صوتاً للفريق الدستوري الديمقراطي الاجتماعي، وهو ما يمنحها هامشاً واسعاً للتحرك والمصادقة على مشاريع القوانين.
لكن هذه القوة العددية تتراجع بشكل لافت داخل مجلس المستشارين، حيث لا تتجاوز الحصيلة المباشرة للأحزاب الأربعة المشكلة للحكومة 44 عضواً من أصل 120، موزعين بين 19 عضواً لفريق الأصالة والمعاصرة، و17 عضواً للفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية، و8 أعضاء للفريق الاشتراكي، مقابل غياب أي تمثيلية لحزب التقدم والاشتراكية داخل الغرفة الثانية.
ولا يبدو أن هذا الوضع يترك لحكومة المنصوري خيارات كثيرة سوى البحث عن حلفاء خارج مكوناتها الحزبية، إذ يمكنها الاستفادة من المقاعد العشرة للاتحاد العام للشغالين بالمغرب، لترتفع حصيلتها إلى 54 عضواً، فضلاً عن ثلاثة أعضاء لمجموعة الدستوري الديمقراطي الاجتماعي، وهو ما يرفع العدد المحتمل إلى 57 عضواً.
غير أن الوصول إلى أغلبية مريحة يظل رهيناً بمواقف عدد من الفرق والمجموعات التي لم تحسم بعد طبيعة تعاملها مع الحكومة، وفي مقدمتها مجموعة الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، المكونة من ثلاثة أعضاء، خصوصاً في ظل المسافة التي اتخذتها هذه النقابة من حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية.
كما تظل مواقف فريق الاتحاد المغربي للشغل، الذي يضم سبعة أعضاء، وفريق الاتحاد العام لمقاولات المغرب، المكون من ثمانية أعضاء، عاملاً مؤثراً في تحديد موازين التصويت داخل الغرفة الثانية، بالنظر إلى إمكانية ترجيح كفة الحكومة أو تعقيد مرور بعض مشاريعها وقوانينها.
وتزداد هذه الوضعية حساسية بالنظر إلى أن مجلس المستشارين ناقش التصريح الحكومي دون أن يصوت عليه، الأمر الذي أبقى مواقف مختلف الفرق والمجموعات من حكومة المنصوري غير واضحة، باستثناء مكونات التحالف الحكومي، وفتح الباب أمام تساؤلات بشأن قدرة الأغلبية على ضمان دعم تشريعي مستقر في الغرفة الثانية.
وفي المقابل، يتوفر فريق التجمع الوطني للأحرار على 27 عضواً، إلى جانب 12 عضواً للفريق الحركي، وهو ما يمنح هذه المكونات وزناً عددياً مهماً وهامشاً للمناورة في معادلة التصويت، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمشاريع القوانين التي تحتاج الحكومة إلى تمريرها.
وبين أغلبية واسعة في مجلس النواب وتمثيلية محدودة في مجلس المستشارين، تواجه حكومة المنصوري اختباراً سياسياً وتشريعياً مبكراً، عنوانه القدرة على بناء توافقات خارج التحالف الحكومي، وتجنب تحول الغرفة الثانية إلى عقبة أمام تنزيل برنامجها.
ويأتي ذلك في سياق زمني لا يقل أهمية، إذ لم يتبق سوى نحو سنة واحدة على نهاية فترة انتداب أعضاء مجلس المستشارين، المرتقب تجديد عضويتهم عقب انتخابات سنة 2027، وهو ما قد يغير موازين القوى ويمنح الأغلبية الحكومية فرصة لإعادة ترتيب أوراقها داخل الغرفة الثانية.
وإلى ذلك الحين، ستظل حكومة المنصوري أمام مفارقة سياسية واضحة: أغلبية تحكم وتشرّع بأريحية في الغرفة الأولى، وأغلبية تحتاج إلى حسابات دقيقة وتفاهمات سياسية في الغرفة الثانية.
02/11/2026