المغاربة القاطنون في الثغرين المحتلين في قلب المعركة
لم يعد الحديث عن قائمة طعام مدرسية مجرد مسألة غذائية عادية، بل أصبح قضية سياسية مشتعلة في قلب الجارة الشمالية. الحكومة الإسبانية اعترفت رسميًا أمام حزب فوكس بوجود مدارس في سبتة ومليلية يُمنع فيها تناول لحم الخنزير احترامًا لغالبية التلاميذ المسلمين، حتى لو كان بين الطلاب من لا يعتنقون الإسلام.
وزارة التعليم أوضحت أن هناك تسع مدارس في سبتة وثلاث في مليلية تقدم لحمًا حلالًا بدل لحم الخنزير، حيث يعتنق غالبية التلاميذ الدين الإسلامي، بل إن ثلاث مدارس تصل فيها نسبة المسلمين إلى 100%. وبررت الحكومة هذا الإجراء بأنه يضمن «وجبة صحية يوميًا تلبي أي متطلبات صحية أو ثقافية للتلاميذ»، مستندة إلى مرسوم ملكي صدر في أبريل الماضي، ومرسومات تتعلق بحقوق الطفل والتنوع الغذائي.
لكن، وللأسف، هذا التفسير العلمي والموضوعي لم يمنع ڤوكس وحلفاءه اليمينيين المتطرفين من تحويل المسألة إلى مادة إعلامية للتصعيد. منذ وقت طويل، يحاول زعيم فوكس سانتياغو أباسكال تصوير منع لحم الخنزير كـ«اعتداء على الهوية الإسبانية» و«قهر للتلاميذ غير المسلمين»، متجاهلًا تمامًا الواقع الديموغرافي: غالبية التلاميذ في هذه المدارس مسلمون.
وفي تصريحاته، اتهم أباسكال الحكومة بمنح الأفضلية لـ«الشعائر الإسلامية» على حساب حرية التلاميذ الدينية، وأن الطلاب غير المسلمين يُجبرون على قبول وجبات متوافقة مع الشريعة الإسلامية أو الحرمان من حقهم في الاستفادة من الطعام المدرسي. وذهب ڤوكس أبعد من ذلك ليصف الأمر بأنه اعتداء على الثقافة الغذائية الإسبانية، معتبرًا أن لحم الخنزير عنصر أساسي لا يمكن التفريط فيه.
لكن الحقيقة المحرجة لأباسكال ورفاقه واضحة: القضية ليست قائمة طعام، بل فرصة انتخابية. في موسم الانتخابات، صار لحم الخنزير أداة لاستقطاب الشباب، خصوصًا في مناطق مثل كاستيا وليون، إكستريمادورا، وأندلسيا، حيث يرتبط بالهوية الثقافية. وتظهر استطلاعات الرأي أن حزب ڤوكس يتصدر نية التصويت بين الشباب من 18 إلى 44 عامًا، مع نسبة تصل إلى 30.6% بين جيل زوومر (حتى 24 سنة).
في الوقت نفسه، يظل المغاربة القاطنون في سبتة ومليلية — غالبية الطلاب في هذه المدارس — في موقع الضحية الصامتة لهذا الصراع الإعلامي والسياسي، حيث يتم توظيف حياتهم اليومية وثقافتهم الدينية كسلاح انتخابي وإيديولوجي.
اليمين المتطرف الإسباني، بقيادة ڤوكس، يحوّل طاولة الطعام المدرسية إلى ساحة صراع وهمية، ويجعل من لحم الخنزير ميدانًا للتحريض والكراهية. أما الحقيقة البسيطة، التي يحاولون إنكارها، فهي أن التعايش والاحترام لا يُدار عبر بث الخوف ولا عبر تفخيخ وجبات الأطفال سياسيًا، بل عبر تقدير اختلافهم واحترام ثقافتهم وهويتهم، حتى في ما يأكلون.
02/01/2026