لم يكن يخطر ببالها أن مبلغًا هزيلاً لا يتجاوز 651 يورو سيظل، كظلٍّ ثقيل، يلاحقها لأكثر من عقد من الزمن، قبل أن يتحول إلى حكم نهائي بالإقصاء من حلم المواطنة. سنوات من الإقامة والعمل ودفع الضرائب والاندماج الاجتماعي تبخّرت أمام قرار قضائي إسباني أعاد فتح ملف قديم، وحسمه ببرود القانون: لا جنسية دون “حسن السلوك المدني”.
في حكم أثار جدلًا واسعًا داخل الأوساط الحقوقية والإعلامية، أسدل القضاء الإسباني الستار على مسار طويل لامرأة مغربية كانت تمني النفس بالحصول على الجنسية الإسبانية، قبل أن تصطدم بقرار قضائي صارم اعتبر أن “حسن السلوك المدني” لا يُقاس بعدد سنوات الإقامة، بل بنظافة السجل القضائي.
وقررت المحكمة الوطنية الإسبانية رفض طلب التجنيس، مؤيدة بذلك موقف الإدارة، على خلفية إدانة سابقة تعود إلى سنة 2013، تتعلق بقضية احتيال على الضمان الاجتماعي، رغم أن قيمة المبلغ موضوع المتابعة لم تتجاوز 651 يورو.
ورغم تأكيد المعنية بالأمر، وهي أم لطفلة تحمل الجنسية الإسبانية، أنها مندمجة اجتماعيًا ومهنيًا، وتتوفر على مسار مهني مستقر، فضلًا عن أدائها المنتظم لاشتراكات الضمان الاجتماعي، اعتبرت المحكمة أن جرائم المساس بالمال العام تشكل خطًا أحمر لا يمكن تجاوزه في مسطرة اكتساب الجنسية عن طريق الإقامة.
وأوضحت الهيئة القضائية أن المادة 22.4 من القانون المدني الإسباني تشترط توفر “السلوك المدني الحسن” بشكل مستمر، مشددة على أن الاندماج الاجتماعي، مهما بلغ، لا يمحو أثر الإدانة الجنائية، ولا يمكن اعتباره بديلًا عن احترام القيم القانونية والمؤسساتية للدولة.
وتعود تفاصيل القضية إلى إدانة المعنية، التي تُدعى “راكيل”، من طرف المحكمة الجنائية بمدينة سيوداد ريال، حيث حُكم عليها بستة أشهر حبسًا مع غرامة مالية، بعد ثبوت تزويرها لوثائق قصد الاستفادة من إعانات اجتماعية بغير وجه حق، مع إلزامها بإرجاع المبلغ المحصل عليه، ومنعها من الاستفادة من أي دعم عمومي لمدة ثلاث سنوات.
وبرغم مرور أكثر من عشر سنوات على الواقعة، وغياب أي متابعات قضائية لاحقة، شدد الحكم على أن الاحتيال على مؤسسات الدولة يُعد مساسًا بثقة الإدارة في طالب الجنسية، ولا يمكن اختزاله في “هفوة معزولة” عند تقييم شرط حسن السلوك.
وختمت المحكمة قرارها بتثبيت رفض منح الجنسية، مع تحميل الطاعنة مصاريف الدعوى، مع إبقاء باب الطعن بالنقض أمام المحكمة العليا الإسبانية مفتوحًا داخل أجل ثلاثين يومًا.
قضية تعيد إلى الواجهة سؤالًا حساسًا داخل أوروبا: هل الجنسية مكافأة على الاندماج الاجتماعي، أم امتحان صارم للسلوك القانوني مهما طال الزمن؟
19/01/2026