برز اسم المغربي أنس لغراري خلال السنوات الأخيرة كأحد أكثر الشخصيات تأثيراً في الكواليس المالية لنادي ريال مدريد، إلى درجة بات يُوصف داخل الأوساط الاقتصادية والرياضية بـ«مصرفي فلورنتينو بيريز»، في إشارة إلى علاقته الوطيدة برئيس النادي ودوره المحوري في كبرى الصفقات والاستثمارات التي أعادت رسم ملامح النادي الملكي.
وُلد أنس لغراري سنة 1984 بالمغرب، ودرس هندسة الرياضيات المالية بفرنسا، قبل أن يستهل مساره المهني محللاً مالياً داخل بنك كاليون، ثم ينتقل سنة 2009 إلى مدريد للعمل في بنك سوسيتيه جنرال، المؤسسة البنكية التي كان لها حضور وازن داخل الدائرة المالية لفلورنتينو بيريز، خاصة قبل عودته إلى رئاسة ريال مدريد.
ولم تكن العلاقة بين الطرفين طارئة، إذ إن والد أنس لغراري، وهو مهندس طرق تحوّل إلى مقاول ناجح في مجال البناء والأشغال العمومية بالمغرب، سبق أن جمعته شراكات مهنية مع فلورنتينو بيريز في عدد من المشاريع، ما جعل اسم العائلة مألوفاً داخل محيط رئيس النادي الملكي.
في سنة 2013، غادر لغراري بنك سوسيتيه جنرال، ليلتحق كشريك بشركة كي كابيتال، حيث برز كخبير في الأسواق المالية والهندسة البنكية المعقدة. وخلال تلك المرحلة، لعب دوراً محورياً في إعادة إنعاش مجموعة إيه سي إس، التي يرأسها فلورنتينو بيريز، بعد أن تأثرت بتداعيات فشل الاستحواذ على شركة إيبردرولا وبأزمة العقار.
وفي وقتٍ ابتعد فيه مستثمرون كبار عن المجموعة، كان لغراري أحد العقول التي ساهمت في الحفاظ على توازنها المالي وضمان استمراريتها، ما عزز موقعه كرجل ثقة داخل الدائرة الضيقة لفلورنتينو بيريز، الذي كان آنذاك بصدد رسم ملامح «ريال مدريد الجديد».
ظل اسم أنس لغراري حاضراً خلف أبرز الرافعات المالية التي لجأ إليها ريال مدريد خلال السنوات الأخيرة، من بينها الاتفاقيات مع صناديق الاستثمار سيكست ستريت وبروفيدنس، فضلاً عن دوره في صفقات استراتيجية كبرى لمجموعة إيه سي إس، أبرزها الاستحواذ على شركة أبيرتيس.
كما يُعد لغراري أحد المؤسسين لشركة إيه 22 سبورتس مانجمنت، المرتبطة بشركة كي كابيتال، وهي الجهة التي قادت مشروع دوري السوبر الأوروبي. ولم يقتصر دوره على الجانب المالي، بل كان مهندس البنية التمويلية للمسابقة الجديدة، وقاد المفاوضات مع الأندية المؤسسة بعد تأمين تمويل قُدّر بنحو أربعة مليارات يورو من بنك جي بي مورغان.
وسبق للغراري أن قدّم استشارات مالية حتى لنادي برشلونة ورئيسه جوان لابورتا، خلال المرحلة التي كان فيها النادي الكتالوني شريكاً لريال مدريد في مشروع دوري السوبر الأوروبي.
خلال الأشهر الأخيرة، تسربت من داخل النادي معطيات حول إمكانية إحداث منصب مدير تنفيذي يقود الذراع التجارية والاستثمارية لريال مدريد، بشكل مستقل عن الرئاسة والإدارة الرياضية، لتدبير العلاقات مع المستثمرين والإشراف على الأنشطة التجارية المرتبطة بملعب سانتياغو برنابيو في حلته الجديدة.
ويرى متابعون أن هذا الدور يناسب تماماً أنس لغراري، خاصة أنه يقف خلف استقدام مستثمرين كبار، من بينهم صندوق سيكست ستريت ورجل الأعمال الفرنسي برنار أرنو، الراغبين في الاستحواذ على نحو خمسة في المائة من الحصة الاستثمارية التي يعرضها فلورنتينو بيريز.
ورغم هذا النفوذ المتنامي، لا تحظى شخصية لغراري بإجماع داخل البيت المدريدي، إذ تنظر بعض مكونات القاعدة الاجتماعية للنادي إلى صعوده السريع بكثير من التحفظ، معتبرة أن تمدد نفوذه قد يشكل مصدر قلق في مرحلة ما بعد فلورنتينو بيريز.
بل إن بعض الأصوات ذهبت إلى حد الحديث عن أن أنس لغراري قد يكون خليفة محتملاً لرئيس النادي في المستقبل.
وفي سياق موازٍ، أقدم ريال مدريد على تعديل مدونته الأخلاقية، بما يسمح بولوج مسؤولين تنفيذيين مرتبطين بمجموعات كبرى متعاملة مع النادي، وهو ما مهّد الطريق لتعيين كارلوس أوكانيا، نائب رئيس شركة تيليفونيكا، مديراً عاماً مساعداً، في خطوة تعكس استعداد النادي لمرحلة انتقالية دقيقة على المستويين المالي والمؤسساتي.
24/01/2026