تحولت مدينتا سبتة ومليلية، في سياق تصاعد الهجرة غير النظامية نحو أوروبا، إلى نقطتي ارتكاز أساسيتين في سياسات الاتحاد الأوروبي الجديدة لتدبير الحدود، حيث لم يعد الاعتماد مقتصرا على الآليات الأمنية التقليدية، بل توسع ليشمل تقنيات الذكاء الاصطناعي والرقمنة فيما يُعرف بـ“الحدود الذكية”. هذا التحول، وإن كان يُقدَّم كحل تقني لتسريع المراقبة والفرز، يثير في المقابل تساؤلات متزايدة حول الشفافية واحترام الحقوق الأساسية، خاصة في ظل غموض يلف طبيعة هذه الأنظمة وكيفية اتخاذها للقرارات.
وحذر تقرير أوروبي حديث، أنجزته مؤسستا “بوركوسا” و“مركز ديلاث لدراسات السلام”، من تنامي الاعتماد على الخوارزميات والأنظمة الذكية في مراقبة الحدود الإسبانية، لا سيما في سبتة ومليلية، مع تسجيل ضعف واضح في آليات الرقابة والمساءلة. وطرح التقرير سؤالا جوهريا حول الجهة التي تراقب هذه الأنظمة، مشيرا إلى أن عددا كبيرا من العقود المرتبطة بمشاريع “الحدود الذكية” يفتقر إلى المعطيات الدقيقة، ويُصاغ بلغة تقنية معقدة تحول دون فهم الرأي العام والهيئات الرقابية لطبيعتها، في وقت يُوجَّه فيه جزء كبير من الإنفاق العمومي لمشاريع المراقبة دون مساطر شفافة أو طلبات عروض معلنة.
واعتبر معدو التقرير أن سبتة ومليلية أصبحتا بمثابة مختبر ميداني لاختبار السياسات الأوروبية الجديدة في مجال المراقبة الرقمية، بما يشمل تقنيات التعرف البيومتري وتحليل البيانات وتقييم المخاطر. وحذروا من أن تفويض قرارات مصيرية، مثل اللجوء أو الدخول أو الترحيل، لأنظمة آلية دون رقابة بشرية كافية قد يؤدي إلى تقويض مبادئ العدالة والمساواة أمام القانون، ويُضعف المسؤولية الإدارية والسياسية. ودعا التقرير إلى إعادة التوازن بين الأمن والتكنولوجيا والحقوق، عبر تعزيز الشفافية، وإرساء آليات تدقيق مستقلة، وضمان بقاء القرار النهائي بيد المؤسسات المنتخبة، حماية للقيم الديمقراطية ومنعا لتحول التكنولوجيا إلى سلطة غير مرئية.
24/01/2026