بعد سنوات من تقديمها كنموذج سياسي بديل وفضاء لهوية كردية جامعة، تقف الإدارة الذاتية الكردية في شمال وشمال شرق سوريا، المعروفة باسم روج آفا، أمام أخطر اختبار في تاريخها. فمع تقدم قوات الحكومة السورية الانتقالية في المناطق التي ظلت خاضعة لسيطرة الأكراد، بات المشروع الذي شكّل بارقة أمل للأكراد داخل سوريا وخارجها مهددا بالانهيار، في لحظة إقليمية ودولية تتغير فيها التحالفات وتتبدل الأولويات بسرعة لافتة.
الأكراد، الذين يُعدّون من أكبر الشعوب في العالم دون دولة مستقلة، لطالما عاشوا على هامش الكيانات الوطنية في تركيا وإيران والعراق وسوريا، حيث واجهوا أشكالا مختلفة من التمييز. وفي السياق السوري، استفادوا من فراغ السلطة الذي خلفته الحرب الأهلية ليبنوا إدارة ذاتية بدعم عسكري وسياسي من التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، بعدما لعبت قواتهم دورا محوريا في هزيمة تنظيم داعش. غير أن هذا الواقع بدأ يتفكك مع عودة دمشق إلى خيار الحسم العسكري، وفشل التفاهمات السابقة حول دمج المؤسسات الكردية ضمن الدولة، ما دفع قوات سوريا الديمقراطية إلى التراجع تحت ضغط متواصل، وسط وقف هش لإطلاق النار ومهل تفاوضية غير محسومة.
ويعود هذا التحول، في جانب كبير منه، إلى تبدل الموقف الأميركي، إذ باتت واشنطن ترى في القيادة الجديدة بدمشق شريكا محتملا، مقابل تراجع الحاجة إلى قسد بعد انحسار خطر داعش. هذا التغيير تلاقى مع مصالح تركيا، التي تنظر إلى القوى الكردية المسلحة كامتداد لحزب العمال الكردستاني، وتدعم بقوة تقليص نفوذها في سوريا. وبين دعوات الحوار التي يراها بعض المحللين المسار الوحيد المتاح أمام الأكراد، وشكوك عميقة لدى قياداتهم تجاه نيات دمشق، يبدو مستقبل روج آفا معلقا على كيفية إدارة المرحلة المقبلة، في بلد لا تزال توازناته هشة، وتتشابك فيه حسابات الداخل مع رهانات الإقليم والقوى الكبرى.
25/01/2026