kawalisrif@hotmail.com

الحسيمة :     “القرش” يقع في شباك الصيد .. طفرة بيولوجية أم إنذار مبكر لتحولات “المتوسط”؟

الحسيمة : “القرش” يقع في شباك الصيد .. طفرة بيولوجية أم إنذار مبكر لتحولات “المتوسط”؟

في واقعة أعادت تسليط الأضواء على الغموض الذي يلف التحولات المتسارعة في النظام البيئي للبحر الأبيض المتوسط، شهد ميناء الحسيمة مؤخرًا حدثًا علميًا استثنائيًا تمثل في الرصد العرضي لفرد يافع من نوع “القرش المتشمس” (Cetorhinus maximus). هذا الظهور، الذي يُعد الأول من نوعه المسجل رسميًا بالمنطقة، لم يكن مجرد واقعة عابرة بالنسبة لمهنيي الصيد، بل شكّل مادة دسمة للنقاش داخل الأوساط العلمية والبيئية حول دلالات وجود هذا “العملاق المسالم” في المياه الساحلية للريف.

يُصنَّف القرش المتشمس كثاني أكبر سمكة على كوكب الأرض بعد الحوت، حيث يمكن أن يصل طوله إلى 12 مترًا، بوزن يتجاوز 6 أطنان. ورغم ضخامته، فإنه كائن “مصفٍّ” يتغذى حصريًا على العوالق الحيوانية وبيض الأسماك، مما يجعله غير مؤذٍ للإنسان. غير أن إدراج هذا النوع ضمن “القائمة الحمراء” للاتحاد الدولي للحفاظ على الطبيعة (IUCN) كنوع مهدد بالانقراض يمنح واقعة الحسيمة أبعادًا حمائية قصوى.

في قراءة علمية لهذا الرصد، يرى الباحث طارق قيقاي، المتخصص في علوم البحار بمختبر التنوع البيولوجي بالرباط، أن وصول هذا الفرد اليافع إلى مقربة من ميناء الحسيمة يفتح الباب أمام فرضيات متعددة:

ازدهار العوالق: قد تكون التغيرات الأوقيانوغرافية الأخيرة قد تسببت في “فورة” غذائية استثنائية من العوالق قرب الساحل، مما جذب القرش بعيدًا عن أعماقه المعتادة.

دينامية التيارات: صِغر سن السمكة المكتشفة يُرجّح فرضية عجزها عن مقاومة تيارات بحرية قوية جرفتها نحو اليابسة.

التلوث الضوضائي: تشير تقارير حديثة إلى أن الضجيج الناتج عن الملاحة المكثفة في مضيق جبل طارق قد يربك أجهزة الاستشعار لدى هذه الكائنات، مما يسبب حالة من “التيه الجغرافي” تدفعها إلى ترك مسارات هجرتها التقليدية بين الأطلسي والمتوسط.

تزامن هذا الحدث مع أنين مهنيي الصيد بالحسيمة، الذين يشتكون من تراجع المفرغات السمكية، خاصة في مصايد “كيلاطي” وخليج الحسيمة، نتيجة الضغط المكثف. إلا أن المفارقة تكمن في شهادات أرباب مراكب “الصيد بالخيط”، الذين يؤكدون رصد أسراب كثيفة من الأسماك السطحية بمجرد التوغل في عرض البحر.

هذا التباين دفع الباحث قيقاي إلى الدعوة لضرورة إطلاق حملات أوقيانوغرافية استكشافية عاجلة لتحديد خرائط المصايد الجديدة، معتبرًا أن الأرقام المسجلة بالموانئ لا تعكس دائمًا حقيقة المخزون السمكي، بل قد تعكس فقط تراجع كفاءة الصيد في المناطق التقليدية المستنزفة.

يخلص التقرير إلى أن حماية الثروة البحرية بالحسيمة تتطلب مقاربة تشاركية تعتمد على:

— تفعيل “المناطق المتناوبة”: للسماح للمصايد الساحلية باستعادة توازنها البيولوجي.

— علم المواطن البحري: إشراك البحارة في توثيق الأنواع النادرة وتتبع التحولات الميدانية.

— التعاون المتوسطي: تبادل البيانات مع المراكز البحثية الدولية لفهم مسارات هجرة الأنواع الكبرى في ظل التغير المناخي.

يبقى ظهور “القرش المتشمس” بالحسيمة رسالة مشفرة من أعماق المتوسط؛ فهل نحن مستعدون لقراءة ما تخفيه الأمواج من تحولات بنيوية تهدد مستقبل “الذهب الأزرق” بالمنطقة؟

 

18/03/2026

مقالات خاصة

Related Posts