في خطوة مفاجئة قلبت موازين السياسة المحلية في العاصمة الهولندية لاهاي، كُلف السياسي الهولندي من أصل مغربي أحمد أبو طالب بمهمة حساسة وحاسمة: استكشاف إمكانية تشكيل حكومة بلدية جديدة بعد فوز حزب ريتشارد دي موس في الانتخابات الأخيرة، في خطوة أثارت جدلاً واسعاً داخل الساحة الهولندية، وكذلك على الصعيد العربي والدولي.
ويأتي اختيار أبو طالب مدفوعاً بخبرته الطويلة والراسخة في إدارة الشأن المحلي، حيث شغل منصب عمدة روتردام لأكثر من 15 عاماً، وتمكّن خلال فترة قيادته من تنفيذ مشاريع ضخمة في البنية التحتية وتحسين الخدمات الحضرية، ما عزز مكانته كأحد أبرز الشخصيات القادرة على إدارة المدن الكبرى بكفاءة عالية، وخلق له سمعة طيبة واحتراماً واسعاً بين مختلف الفرقاء السياسيين في هولندا، من اليسار إلى اليمين، بفضل أسلوبه التفاوضي المعتدل وقدرته على تجاوز الصراعات الحزبية.
وسبق للمغربي أحمد أبو طالب أن حاز على جائزة أفضل عمدة في العالم لعام 2021، إلى جانب الفرنسي فيليب ريو، عمدة مدينة ڨرينيه الفرنسية، بعد تفوقه على أكثر من ثلاثين مرشحاً من مختلف دول العالم، في اعتراف دولي بتميزه في القيادة الحضرية وتحقيق نتائج ملموسة على أرض الواقع.
ومن المتوقع أن يخوض أبو طالب سلسلة مشاورات حاسمة مع مختلف الأحزاب السياسية في المجلس البلدي، في سباق محتدم لتشكيل أغلبية قادرة على إدارة شؤون المدينة بفعالية. وتشير المؤشرات الأولية إلى أن هذه المشاورات قد تتحوّل إلى مواجهة سياسية حامية، تتخللها تحالفات غير متوقعة وصراعات محتدمة بين الأحزاب التي تتباين مصالحها ومواقفها تجاه القضايا الحيوية للمدينة، مثل التخطيط العمراني، النقل العام، وتحسين الخدمات الاجتماعية.
مهمة أبو طالب تتجاوز الإطار الإداري البحت، فهي اختبار سياسي معقد يتطلب منه التوازن بين طموحات الأحزاب المختلفة ومتطلبات المواطنين، مع الحفاظ في الوقت نفسه على استقرار المجلس البلدي. نجاحه في تشكيل حكومة قوية ومستقرة سيعزز صورته كلاعب محوري في المشهد السياسي الهولندي، ويمنحه نفوذاً واسعاً على المستوى الوطني. أما أي فشل، فقد يؤدي إلى فضح هشاشة التحالفات السياسية وزيادة التوترات داخل المجلس، وربما يعيد رسم خريطة القوى في المدينة بشكل دراماتيكي.
ويواجه أبو طالب تحديين متزامنين: الأول يتعلق بإدارة الصراعات الداخلية بين الأحزاب، والثاني تقديم حلول ملموسة للمواطنين الذين يترقبون إصلاحات فعلية في البنية التحتية والخدمات الحضرية. هذه المرحلة قد تكون فاصلة، وقد تشكّل منعطفاً تاريخياً في السياسة المحلية للمدينة، مع انعكاسات محتملة على المستوى الوطني والهولندي ككل.
ومع ترقّب الرأي العام في لاهاي، خصوصاً مغاربة هولندا، لنتائج هذه المشاورات، يبقى السؤال الكبير: هل سينجح أبو طالب في حياكة تحالفات سياسية قوية تكفل استقرار المدينة، أم أن المرحلة المقبلة ستتحوّل إلى فوضى سياسية تعكس هشاشة المشهد المحلي وتفتح الباب لصراعات جديدة؟
يذكر أن أحمد أبو طالب قد قدّم استقالته من عمودية مدينة روتردام أواخر 2024، ثاني أكبر مدينة في هولندا، وقد تم تعيين كارولا شوتن خلفاً له. ويمثل هذا الانتقال محطة مهمة في مسيرته السياسية، بعد أن قضى 15 عاماً في قيادة روتردام عن حزب العمل، مع سجل حافل من الإنجازات التي عززت من صورته كرمز للقيادة الحضرية الناجحة على المستوى المحلي والدولي، وكسابقة سياسية تُبرز مكانته كأحد أكثر الشخصيات احتراماً وثقة بين مختلف الفرقاء السياسيين في الديار الهولندية.
24/03/2026