في لحظة حاسمة من تاريخ الساحل الشرقي للمملكة، خرج إلى العلن مخطط التهيئة الخاص بموقع بحيرة مارتشيكا، بالناظور ، ليس كوثيقة تقنية جامدة، بل كإعلان صريح عن مرحلة جديدة عنوانها إعادة ترتيب الأوراق… أو بالأحرى، إعادة توزيع النفوذ. الوثيقة، التي أعدتها وكالة تهيئة موقع بحيرة مارتشيكا ، وانجزها مكتب دراسات متخصص ، بتاريخ 24 مارس 2026، لم تُفتح للنقاش العمومي فحسب، بل أطلقت أيضًا سيلًا من الأسئلة الثقيلة: من سيربح؟ ومن سيدفع الثمن؟
هذه الوثيقة، التي تبدو للوهلة الأولى مجرد خطوط هندسية بمقياس 1/20,000، تخفي في عمقها تحولات بنيوية في المجال. فهي تمتد من بني أنصار إلى قرية أركمان مرورًا بالتاظور وبوعرك ، محاولة لفرض انسجام ترابي طال انتظاره، وبالموازاة مع ذلك، إعادة ضبط ميزان القوى بين العقار والاستثمار والمنفعة العامة.
سبعة أقطاب تنموية تُرسم كأنها مدن داخل مدينة، لكل منها وظيفة وهوية: “أطاليون” للسياحة الراقية، “مدينة البحرين” للاستثمار الساحلي، “الناظور الجديدة” كرهان حضري، “قرى الصيادين” كواجهة تراثية، و“خليج الفلامينغو” كحاجز بيئي… غير أن خلف هذه التسميات اللامعة يطفو سؤال أكثر حساسية: من يملك الأرض التي ستُبنى عليها هذه المشاريع؟
وفي بني أنصار، تحديدًا في منطقة “مولاريس”، يتكشف المستجد المثير: 28 هكتارًا من الأراضي التي تعود إلى فترة الحماية الإسبانية استولى عليها عمار يحيى، والقطعة مملوكة حاليًا لشقيقي الرئيس الأسبق لجماعة الناظور طارق يحيى، وهما نور الدين يحيى وعبد الرحيم يحيى، بشراكة مع ورثة الحاج مولود “بوثنعاش”. وفق التصميم الجديد، من المقرر أن تُشيّد على هذه الأرض فيلات بمساحة 2000 متر لكل واحدة.
حسب روايات السكان، ظلت هذه القطعة لسنوات طويلة حيازتها دون سند قانوني واضح، حيث اختلطت الملكيات المشكوك فيها بالوقائع المفروضة على الأرض. هذه القرارات قد تقلب موازين عقارية غير مستقرة منذ عقود خلت ، قبل أن يتم تحفيظها بطرق معلومة .
لكن المعطيات لم تتوقف عند هذا الحد: مصادر مطلعة من جماعة بني أنصار أكدت أن المجلس الجماعي يميل إلى رفض المشروع كليًا. نفس التوجه يتكرر في جماعة قرية أركمان وجماعة بوعرك، حيث تشير مصادر من الجماعات المذكورة إلى أن المجالس تميل أيضًا إلى رفض مشروع التهيئة، في ظل تحفظات على تجاوزات الملكية وإمكانية تغييب المصلحة العامة الحقيقية.
الأكثر إثارة، حسب تصريح أحد مسؤولي جماعة الناظور، أن رئيس الجماعة لم يصدر بعد أي موقف رسمي، رغم أن المدينة لم تتعرض لتجاوزات كبيرة مقارنة بمناطق أخرى. هذا الصمت يزيد من سخونة النقاش ويفتح الباب أمام سيناريوهات غير متوقعة قد تغيّر مستقبل المنطقة.
فهل نحن أمام تصحيح تاريخي للوضعيات العقارية المشكوك في صحتها؟ أم أمام إعادة ترتيب محسوبة للأوراق تحت غطاء التهيئة؟
المخطط، في ظاهره، يسعى إلى فرض نظام صارم لاستعمالات الأراضي، وضبط الكثافات العمرانية، ووضع حد للتداخل الفوضوي ، وتقليص الطوابق على كورنيش الناظور إلى أربعة فقط .
كما يُبقي على الطابع الفلاحي لسهل بوعرك، في رسالة واضحة مفادها أن التنمية لا تعني زحف الإسمنت على كل شيء. لكن التحدي الحقيقي يظل في مدى القدرة على ترجمة هذه المبادئ إلى قرارات عادلة ومنصفة على أرض الواقع.
البعد الاستراتيجي حاضر بقوة أيضًا، من خلال تعزيز البنيات التحتية وربط المنطقة بشبكات النقل الوطنية، بما في ذلك الطرق والربط السككي، في محاولة لفك العزلة وخلق دينامية اقتصادية جديدة. إلا أن هذه الدينامية لن تكون محايدة، بل ستعيد رسم خريطة المستفيدين… وربما أيضًا الخاسرين.
ومع فتح باب البحث العمومي، لم يعد المواطن مجرد متفرج، بل أصبح، نظريًا على الأقل، طرفًا في معادلة معقدة تتقاطع فيها السياسة بالعقار بالتنمية.
في مارتشيكا، لم تعد المعركة بين البحر واليابسة فقط، بل بين من يرى في الأرض فرصة استثمار، ومن يعتبرها حقًا تاريخيًا يجب صونه، وبين من يرفع شعار “المصلحة العامة” ومن ينتظر ليرى كيف سيُترجم هذا الشعار على أرض الواقع.
الوثيقة وُضعت… لكن الحقيقة ما تزال قيد التشكل.
