kawalisrif@hotmail.com

لا مانغا تقلب المعادلة :     إسبانيا تُلغي السكن الخاص وتحوّل الساحل إلى “مصنع سياحي”… وجدل بيئي يضعها في مرآة مارتشيكا بالناظور

لا مانغا تقلب المعادلة : إسبانيا تُلغي السكن الخاص وتحوّل الساحل إلى “مصنع سياحي”… وجدل بيئي يضعها في مرآة مارتشيكا بالناظور

تشهد منطقة لا مانغا، الواقعة جنوب شرق إسبانيا بإقليم مورسيا، والممتدة على طول نحو 28 كيلومتراً بين البحر الأبيض المتوسط وبحر “مار مينور”، جدلاً واسعاً بعد إعلان السلطات المحلية عن قرار عمراني جديد من شأنه إعادة رسم مستقبل البناء في هذا الشريط الساحلي السياحي.

فقد قرر عمدة المنطقة، خوسيه ميغيل لونغو، منع تشييد الشقق السكنية الخاصة بشكل نهائي، مع الاكتفاء بالترخيص للمشاريع ذات الطابع السياحي فقط. ويأتي هذا التوجه ضمن خطة عمرانية جديدة تروم إنشاء حوالي 4000 وحدة سكنية سياحية تمتد من الكيلومتر 4 إلى الكيلومتر 19 من الساحل.

وتبرر السلطات المحلية هذا القرار بضرورة تنظيم التوسع العمراني وتعزيز الجاذبية السياحية للمنطقة، غير أن الخطوة فجّرت موجة انتقادات قوية من طرف جمعيات بيئية، على رأسها “إيكولوغيستاس إن أكسيون”، التي اعتبرت أن القرار “جاء متأخراً”، مؤكدة أن الضرر البيئي وقع بالفعل، وأن تحويل طبيعة البناء من سكني إلى سياحي لن يخفف من الضغط المتزايد على المنظومة البيئية الساحلية.

وتشير هذه الهيئات إلى أن لا مانغا، التي تُعد من أبرز الوجهات السياحية في إسبانيا، عرفت خلال العقود الماضية توسعاً عمرانياً غير منظم، أدى إلى تقلص المساحات الطبيعية وتآكل أجزاء واسعة من الكثبان الرملية التي كانت تميز هذا الشريط الساحلي الفريد.

وفي سياق متصل، يُستحضر النقاش البيئي نفسه في مناطق ساحلية أخرى على الضفة الجنوبية للمتوسط، حيث تبرز بحيرة مارتشيكا بساحل الناظور كنموذج بيئي حساس يواجه تحديات مماثلة، من حيث التوازن بين التنمية العمرانية وحماية النظام الإيكولوجي. فكلتا البحيرتين ، مارتشيكا ومار مينور ، تشتركان في خصائص طبيعية دقيقة تقوم على أنظمة مائية مغلقة أو شبه مغلقة، ما يجعلهما شديدتي التأثر بأي ضغط عمراني أو سياحي مفرط، ويضعهما في قلب نقاش بيئي متصاعد حول مستقبل السواحل المتوسطية.

وفي خلفية هذا المشهد، لا تبدو البحيرتان مجرد فضاءين طبيعيين على ضفتين مختلفتين من المتوسط، بل مرآتين تعكسان سؤالاً واحداً يؤرق الضفتين: هل تستطيع التنمية أن تنتصر دون أن تبتلع الطبيعة؟

في مشروع تصميم التهيئة ببحيرة مارشيكا، ذلك الملف الذي لا يغادر خانة “المثير للجدل” مهما حاولت الوثائق تلميع لغته، تبدو الفجوة واضحة بين ما يُكتب في التقارير وما يُترجم على أرض الواقع. وعود كثيرة بصياغات تقنية دقيقة، مقابل واقع بيئي ينتظر بصبر ثقيل نتائج لا تزال معلقة بين الرؤية والتطبيق… وبين ما يُعلن وما يتأجل.

في المقابل، على الضفة الأخرى من المتوسط، يخرج العمدة خوسيه ميغيل لونغو في لا مانغا بقرار حاسم: منع السكن الخاص بالكامل على الشريط الساحلي، وفتح الباب أمام السياحة وحدها عبر مشاريع كبرى تصل إلى 4000 وحدة سياحية. وكأن المدن الساحلية لم تعد تُصمم للعيش، بل للاستهلاك المؤقت ثم إعادة التدوير العمراني.

وبين مديرة وكالة مارشيكا وهي تدير الملف وسط توازنات دقيقة بين “التنمية المستدامة” و”ضغط الاستثمار” ، في ملف لا يخلو من التعقيد وكثرة الوعود أكثر من الحسم ، وبين عمدة إسباني لا يتردد في اتخاذ قرار جذري يقلب قواعد اللعبة دفعة واحدة، يظهر الفرق ليس فقط في المقاربة، بل في الجرأة على الحسم. هناك من يوازن حتى يُرهق التوازن، وهناك من يحسم ثم يترك العاصفة تهدأ لاحقاً.

والنتيجة في الحالتين تكاد تكون ساخرة بمرارة: بحيرات تُحاط بالمخططات أكثر مما تُحاط بالحماية الفعلية، ومشاريع تُدار بلغة “التنمية المستدامة” بينما الطبيعة هي الطرف الوحيد الذي لا يملك صوتاً في النقاش.

ولا تبدو مارتشيكا ولا مار مينور في حاجة إلى مزيد من الخطابات اللامعة ولا إلى جملٍ منمّقة تُعلّق على واجهات التقارير، بقدر ما تحتاجان إلى قرارات تصل في وقتها، لا بعد أن تكون الطبيعة قد أغلقت بابها بصمت.

فالبحيرات لا تُجيد التصفيق للوعود، ولا تُتقن انتظار اللجان… هي فقط تراقب، بهدوء بارد، كيف تتحول “التنمية” أحياناً إلى اسمٍ لطيف لعملية استنزاف بطيئة.

وفي لحظة ما، قد لا يبقى في المشهد سوى ماءٍ مُتعب، وإسمنتٍ كثير، وندمٍ متأخر… لكن كالعادة، سيكون الجميع قد أعلن نجاح المشروع.

25/04/2026

مقالات خاصة

Related Posts

25 أبريل 2026