في محكمة الاستئناف بالدار البيضاء، عادت الأضواء لتسلط على واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل، حيث وقف النائب البرلماني السابق مير بلقاسم يومه الجمعة 4 أبريل الجاري، في قفص الاتهام، وعو صهر رئيس جهة الشرق النافذ عبد النبي بعيوي، والاسم الذي يتكرر كثيراً في ملف “إسكوبار الصحراء”، الذي بات عنواناً لشبكة معقدة من التهم المرتبطة بالمخدرات، التزوير، وتبييض الأموال.
بلقاسم يُحاكم بدوره إلى جانب صهره وثلة من المشبوهين والسياسيين والأمنيين والبارونات ، بتهم ثقيلة تُشبه فصولاً من ملفات المافيا .
منها تزوير محررات رسمية، تسهيل دخول وخروج مغاربة من البلاد بطرق غير قانونية، التعامل في المخدرات على نطاق واسع، استيراد الذهب دون ترخيص، وتقديم شيكات على سبيل الضمان، في معاملات يشوبها الكثير من الغموض.
لكن وسط هذه السلسلة من التهم، برزت فيلا فاخرة بمنطقة كاليفورنيا، كرمز لصراع خفي بين المال، السلطة، والاتهامات المتبادلة. بلقاسم صرّح أمام المحكمة أنه باع هذه الفيلا لسعيد الناصري، رئيس نادي الوداد وقيادي في حزب الأصالة والمعاصرة. البيع، حسب روايته، تمّ في البداية عبر وعد بالبيع مكتوب بخط اليد، وتَمّ التفاهم على تسجيل الفيلا باسم شركة “برادو”، التي تعود ملكيتها إلى الناصري، رغم أن الأخير انسحب منها قانونياً منذ 2007.
بلقاسم أوضح أن الناصري سلّمه 650 مليون سنتيم، بالإضافة إلى 5 شيكات كضمان، كل واحد منها بقيمة 200 مليون سنتيم، وأن باقي المبالغ تم تسديدها على مراحل، منها دفعة استلمها داخل مرآب البرلمان.
وأضاف: “كنت كلما احتجت مبلغاً لسداد قرض، اتصلت بالناصري وكان يرسل لي المال دون تردد، ثقة بيننا كرجلين في نفس الفريق البرلماني”.
لكن الثقة هذه، سرعان ما تحوّلت إلى دائرة من الشكوك، حين أشارت شهادات أخرى إلى أن الفيلا لم تكن في ملكية بلقاسم فعلياً، بل كانت في يد “إسكوبار الصحراء”، الذي صرّح أنه اقتناها من عبد النبي بعيوي بمبلغ 33 مليون درهم، سلّمها نقداً، وأن لطيفة رأفت، زوجته، كانت تقيم فيها منذ 2014، قبل أن يسكنها الناصري لفترات متقطعة.
المثير أكثر، أن الشهادات المنسوبة لتوفيق زنطار وآخرين، تحدثت عن حفلات ليلية ماجنة داخل الفيلا، وتعاطي الكوكايين، وحضور أسماء من العيار الثقيل، بينهم مسؤولون وشخصيات معروفة.
غير أن بلقاسم نفى ذلك جملة وتفصيلاً، مؤكداً أن الفيلا لم تكن سوى عقار باعه في وضح النهار، ولا علم له بما يجري داخلها بعد انتقال ملكيتها ، بلقاسم لم يُنكر علاقته السابقة بـ”إسكوبار”، لكنه حصرها في لقائين فقط :
الأول كان في وجدة عام 2013، حيث رغب هذا الأخير في اقتناء ضيعة فلاحية،
والثاني في السعيدية، عندما طلب منه “إسكوبار” مكاناً يقيم فيه رفقة زوجته لطيفة رأفت، بعدما اتصل به يوم جمعة يطلب طبق كسكس، فدعاه بلقاسم للغداء.
ورغم مواجهة القاضي له بشهادات تقول إن الفيلا كانت مأوى للمتعاطين وسهرات الكحول والكوكايين، ظل بلقاسم متمسكاً بروايته : “ماشي ديالي من 2019، وربّي شاهد على كل كلمة قلتها”.
القضية، بكل تشعباتها، تضع العدالة في مواجهة شبكة معقدة من المصالح، الشخصيات، والتحالفات، حيث يختلط المال بالسياسة، والفن بالجريمة. والمحكمة وحدها، ستفصل بين الروايات المتضاربة، والحقائق التي تنتظر أن تُكشف.
04/04/2025