في تطور لافت يكشف حجم الاختلالات التي شابت تدبير الصفقات العمومية بجماعة الفقيه بن صالح، عاد ملف يعود إلى فترة تسيير الوزير السابق محمد مبديع للجماعة المذكورة ليطفو من جديد، لكن هذه المرة وسط اتهامات مباشرة تحمل المسؤولية السياسية والأخلاقية له، باعتباره المشرف الأول على مرحلة توصف اليوم بأنها كانت أرضًا خصبة لتفويت صفقات تحوم حولها شبهات ثقيلة.
ورغم محاولات الدفاع عن بعض المتهمين، وعلى رأسهم رئيس مصلحة الصفقات، الالتفاف على جوهر القضية عبر التمسك بدفوعات شكلية من قبيل التقادم، فإن المعطيات الواردة في الملف تشير إلى أن الإشكال لا يرتبط فقط بوقائع معزولة، بل بمنظومة تدبير كاملة يُتهم محمد مبديع بأنه كان مهندسها الفعلي، ومهّد من خلالها لتمرير صفقات بطرق تثير أكثر من علامة استفهام.
الدفاع حاول خلال جلسة أمس الإثنين تصوير القضية كأنها مجرد متابعة متأخرة زمنياً، معتبراً أن مرور سنوات طويلة كفيل بإسقاط المتابعات، غير أن هذا الطرح يُقابل بانتقادات واسعة ترى فيه محاولة للهروب من المساءلة الحقيقية، خصوصاً وأن فتح الملف بعد سنوات لا يلغي خطورة الأفعال المرتكبة إن ثبتت، بل يعكس حجم التستر الذي كان يحيط بها خلال فترة التدبير السابقة.
وبينما يتمسك الدفاع بغياب أدلة مادية مباشرة، فإن تقارير رسمية، من بينها معطيات صادرة عن أجهزة رقابية، تُلمّح إلى وجود اختلالات في منح الصفقات وتدبيرها، وهو ما يعيد توجيه الأنظار نحو دور المسؤول الأول آنذاك، محمد مبديع، الذي يُتهم بشكل مباشر بتحمل جزء كبير من المسؤولية عن هذا الوضع، سواء من خلال قراراته أو عبر إشرافه على منظومة إدارية سمحت بتمرير هذه العمليات.
كما أن التبريرات المقدمة بخصوص قانونية بعض الصفقات لا تبدد الشكوك، خاصة في ظل الحديث عن إقصاء أطراف وتفويت مشاريع في ظروف غامضة، ما يعزز فرضية وجود تلاعبات تمت تحت غطاء قانوني شكلي، لكن بروح بعيدة عن مبادئ الشفافية وتكافؤ الفرص.
وفي الوقت الذي يسعى فيه الدفاع إلى تفكيك التهم عبر التشكيك في الأركان القانونية للجرائم، تتصاعد أصوات تعتبر أن جوهر القضية يتجاوز التفاصيل التقنية، ليطرح سؤالًا أكبر: كيف دُبرت الصفقات خلال مرحلة محمد مبديع؟ ومن المسؤول الحقيقي عن الاختلالات التي بدأت تتكشف تباعًا؟
ملف يبدو أنه لم يقل كلمته الأخيرة بعد، في ظل استمرار المحاكمة، وترقب لما قد تحمله الجلسات المقبلة من معطيات قد تعمّق أكثر دائرة الاتهام، وتضع المسؤوليات في مكانها الحقيقي دون مواربة.
14/04/2026