في سياق التحولات المتسارعة التي تعرفها منطقة الساحل والصحراء، ومع تصاعد التحديات الأمنية المرتبطة بالإرهاب والجريمة المنظمة العابرة للحدود، يواصل المغرب تعزيز منظومته الدفاعية في أقاليمه الجنوبية، من خلال تطوير البنيات العسكرية الاستراتيجية وتحديث قدراتها العملياتية. وفي هذا الإطار، تتواصل أشغال توسعة وتحديث القاعدة الجوية “بئر أنزران” قرب مدينة الداخلة، في خطوة تعكس عمق التوجه الاستراتيجي للمملكة نحو ترسيخ موقعها كفاعل محوري في معادلة الأمن الإقليمي، وبشراكة متقدمة مع الولايات المتحدة الأمريكية.
تشهد جهة الداخلة وادي الذهب، في أقصى جنوب المملكة، أشغال توسعة وتحديث مهمة على مستوى القاعدة الجوية “بئر أنزران”، في إطار رؤية دفاعية جديدة تقوم على رفع الجاهزية العملياتية وتعزيز القدرة على الاستجابة لمختلف التحديات الأمنية الإقليمية، خصوصًا في الفضاء الصحراوي والساحلي.
ووفق معطيات متطابقة، فإن هذه القاعدة، التي تقع على بعد كيلومترات قليلة من مدينة الداخلة، كانت في الأصل منشأة جوية صغيرة مخصصة للطائرات المروحية، قبل أن تتحول خلال السنوات الأخيرة إلى بنية عسكرية متطورة قادرة على استيعاب طائرات مقاتلة، وطائرات بدون طيار، إضافة إلى مروحيات هجومية حديثة من طراز “أباتشي”.
وتأتي هذه التحولات في سياق الدينامية التي تعرفها السياسة الدفاعية المغربية، خصوصًا بعد الاعتراف الأمريكي بسيادة المغرب على الصحراء في دجنبر 2020، وهو ما ساهم في إعادة هيكلة التعاون العسكري بين الرباط وواشنطن، وفتح المجال أمام توسيع نطاق التحرك العملياتي والتنسيق الميداني دون القيود السياسية السابقة.
وتشير المصادر ذاتها إلى أن الهدف من تطوير هذه القاعدة لا يقتصر على تعزيز الدفاعات الوطنية فقط، بل يتجه نحو جعلها منصة عمليات استراتيجية محتملة للتعاون الإقليمي، في ظل التحديات الأمنية المتزايدة بمنطقة الساحل، خاصة بعد تراجع الوجود العسكري الأمريكي في بعض دول المنطقة مثل النيجر، وما ترتب عنه من فراغ أمني نسبي.
وفي هذا السياق، تبرز قاعدة “بئر أنزران” كخيار لوجستي وعسكري بديل، قادر على دعم العمليات المشتركة وتنسيق الجهود الرامية إلى تعزيز الاستقرار الإقليمي، في إطار مقاربة أمنية شاملة تربط شمال إفريقيا بعمقها الساحلي.
كما يعكس هذا التطور عمق الشراكة المغربية–الأمريكية في المجال الدفاعي، والتي تعززت مؤخرًا عبر توقيع خارطة طريق جديدة للتعاون العسكري تمتد لعشر سنوات، وتشمل تطوير القدرات، وتبادل الخبرات، وتوسيع مجالات التنسيق العملياتي والتدريب المشترك.
ويرى متتبعون أن المغرب، من خلال هذه الدينامية، يرسخ مكانته كفاعل إقليمي أساسي في منظومة الأمن الإفريقي، في ظل تنامي التهديدات غير التقليدية، وتزايد الحاجة إلى مقاربات متعددة الأطراف لمواجهتها.
وبذلك، تتحول قاعدة “بئر أنزران” تدريجيًا إلى ركيزة محورية ضمن البنية الدفاعية جنوب المملكة، وإلى منصة استراتيجية واعدة في إطار شبكة تعاون دولية أوسع تستهدف احتواء التهديدات العابرة للحدود في منطقة الساحل والصحراء.
26/04/2026