kawalisrif@hotmail.com

صحيفة إسبانية: كيف يُحرّك اللوبي المغربي خيوطه داخل السياسة الأمريكية لكسب دعمها في مواجهة إسبانيا

صحيفة إسبانية: كيف يُحرّك اللوبي المغربي خيوطه داخل السياسة الأمريكية لكسب دعمها في مواجهة إسبانيا

في زمن لم تعد فيه الحروب تُحسم فقط بالدبابات والطائرات، بل كذلك بالكلمة والصورة والتأثير، يبدو أن بعض الأصوات في الجارة الشمالية ما زالت تتعامل مع العالم بعقلية قديمة، ثم تتفاجأ عندما تكتشف أن الآخرين يشتغلون بمنطق مختلف تمامًا. ومن آخر مظاهر هذا الارتباك ما تروّجه بعض المنابر الإسبانية، خاصة المحسوبة على اليمين، عمّا تسميه “تحريك المغرب لخيوط اللوبي داخل الولايات المتحدة”، وكأن الرباط ارتكبت خطيئة جيوسياسية لا تُغتفر، لا لشيء سوى لأنها تمارس ما تمارسه كل دول العالم دون استثناء.

الحقيقة التي تبدو ثقيلة على البعض هي أن التأثير في واشنطن لم يعد ترفًا، بل ضرورة، وكل الدول – من الصغيرة إلى الكبرى – تستثمر ملايين الدولارات للدفاع عن مصالحها، سواء عبر شركات الضغط أو عبر الترويج الاقتصادي والسياحي. وفي هذا السياق، تكشف الأرقام، كما رصدتها مؤسسات متخصصة في تتبع تمويل جماعات الضغط، أن المغرب استثمر خلال السنوات الأخيرة عشرات الملايين من الدولارات لتعزيز حضوره داخل الولايات المتحدة، في حين ظل الإنفاق الإسباني محدودًا بشكل لافت، بل وأحيانًا شبه غائب، وهو ما يفسر، ربما، نبرة التذمر أكثر مما يفسر الوقائع نفسها.

وبينما تنشغل بعض الأقلام الإسبانية بمحاولة تصوير الأمر كـ“اختراق مغربي”، يغيب عنها – أو تتغافل – أن واشنطن نفسها قائمة على هذا النوع من العلاقات، حيث يُعد تمويل الحملات والتأثير في مراكز القرار جزءًا من اللعبة السياسية المعلنة، وليس مؤامرة تُدار في الظل. بل إن خبراء في العلاقات الدولية يؤكدون أن هذا النموذج من التأثير لا يُعتبر صادمًا في السياق الأمريكي كما قد يبدو في أوروبا، وهو ما يجعل كثيرًا من هذه “الاكتشافات الصحفية” أقرب إلى إعادة تدوير البديهيات في قالب درامي.

ومن جهة أخرى، لا يقتصر الحضور المغربي على القنوات السياسية المباشرة، بل يمتد إلى مجالات الاقتصاد والسياحة والثقافة، حيث توظف الرباط أدوات متعددة للتعريف بمؤهلاتها وتعزيز صورتها لدى الرأي العام الأمريكي، وهو أسلوب تتبعه دول عديدة، لكنه يتحول فجأة – في بعض التحليلات الإسبانية – إلى “استراتيجية مقلقة” فقط لأنه صادر عن المغرب. وربما كان الأجدر طرح سؤال بسيط: هل المشكلة في ما يقوم به المغرب، أم في ما لا تقوم به إسبانيا؟

المفارقة اللافتة أن بعض هذه الأصوات نفسها تعترف، ولو ضمنيًا، بأن مدريد تعتمد تقليديًا على دبلوماسية كلاسيكية أقل صخبًا وأقل انخراطًا في عالم اللوبيات، وهو اختيار سيادي بطبيعة الحال، لكنه لا يمنحها حق الاعتراض على من اختار نهجًا مختلفًا وأكثر براغماتية. فالعلاقات الدولية ليست مسابقة في النوايا الحسنة، بل ساحة تنافس مفتوح تُقاس فيها النتائج لا الخطابات.

أما الرباط، فتبدو واعية بهذه المعادلة جيدًا، إذ لا تنتظر تصفيقًا من أحد، ولا تتوقف عند انزعاج هذا الطرف أو ذاك، بل تمضي في تعزيز حضورها حيثما وجدت مصالحها، مستفيدة من أدوات مشروعة ومعترف بها دوليًا. وهو ما يفسر، ربما، هذا القدر من التوجس لدى بعض المنابر التي لم تستوعب بعد أن زمن الاكتفاء بالمراقبة من بعيد قد انتهى.

في النهاية، قد يكون أكثر ما يثير القلق لدى تلك الصحافة ليس ما يفعله المغرب، بل ما يعكسه ذلك من تحول في موازين التأثير، حيث لم تعد المعادلة كما كانت، ولم يعد الصوت الوحيد القادم من الضفة الجنوبية هو الصمت.

وفي الختام، يبدو أن ما يؤلم بعض الأبواق الإعلامية في الشمال ليس “اللوبي المغربي” بقدر ما هو مرآة تعكس واقعًا غير مريح: عالم يتغير بسرعة، وقواعد لعبة لم تعد تُكتب في مدريد ولا تُفصّل على مقاسها. فحين يتحرك المغرب ببراغماتية، تُسمّى “مناورة مريبة”، وحين يغيب الآخرون عن الساحة، تُسمّى “دبلوماسية راقية”… يا لها من مفارقة تستحق التأمل أكثر من التحليل.

الحقيقة القاسية أن من لا يحجز لنفسه مقعدًا على طاولة القرار، سيجد نفسه موضوعًا على قائمة الطعام، وهذه ليست مبالغة، بل قانون غير مكتوب في السياسة الدولية. وبينما يواصل البعض اجترار خطاب القلق والتوجس، تمضي الرباط في تثبيت حضورها حيث تُصنع القرارات، لا حيث تُكتب المقالات الغاضبة.

قد يكون من الأسهل اتهام الآخرين بتحريك الخيوط، لكن الأصعب – والمؤلم – هو الاعتراف بأن اللعبة تغيّرت، وأن من لا يجيدها اليوم سيكتفي غدًا بدور المتفرج… أو الناقد المتأخر.

27/04/2026

مقالات خاصة

Related Posts