kawalisrif@hotmail.com

فاتح ماي بالمغرب … تبادل الاتهامات بين الأغلبية والمعارضة يشعل معركة الحصيلة الاجتماعية

فاتح ماي بالمغرب … تبادل الاتهامات بين الأغلبية والمعارضة يشعل معركة الحصيلة الاجتماعية

في مشهد سياسي واجتماعي مشحون، تحوّل عيد الشغل بالمغرب هذه السنة إلى ساحة مواجهة مفتوحة بين الأغلبية الحكومية والمعارضة، حيث استغل كل طرف مناسبة فاتح ماي لتقديم قراءته الخاصة للأوضاع الاجتماعية والاقتصادية التي تعيشها البلاد، وسط تصاعد القلق الشعبي بسبب غلاء المعيشة وتراجع القدرة الشرائية.

ففي الوقت الذي اختارت فيه أحزاب الأغلبية تسويق ما تعتبره “حصيلة اجتماعية غير مسبوقة”، صعّدت أحزاب المعارضة من انتقاداتها، معتبرة أن الحكومة أخفقت في الوفاء بوعودها، وأن الحوار الاجتماعي فقد الكثير من جدواه، بعدما تحول، بحسب تعبيرها، إلى آلية شكلية لا تعكس انتظارات الشغيلة المغربية.

وشهدت مختلف المدن المغربية مسيرات وتجمعات عمالية حاشدة، رفعت خلالها شعارات اجتماعية واقتصادية، وعكست حجم التوتر القائم بشأن الأوضاع المعيشية، في ظل استمرار ارتفاع الأسعار وتزايد الضغوط على الأسر المغربية.

في الدار البيضاء، دافع نزار بركة، الأمين العام لحزب الاستقلال، بقوة عن حصيلة الحكومة الاجتماعية، مؤكداً أن حزبه ظل وفياً لالتزاماته تجاه الطبقة العاملة، ومنخرطاً بشكل فعلي في الدفاع عن حقوقها داخل الأغلبية الحكومية.

وأوضح بركة، خلال مشاركته في احتفالات الاتحاد العام للشغالين بالمغرب، أن الحكومة أطلقت سلسلة من الإصلاحات الاجتماعية الهادفة إلى تحسين أوضاع الأجراء والمتقاعدين، من أبرزها مراجعة الضريبة على الدخل لفائدة المتقاعدين، وتوسيع الإعفاءات الضريبية لتشمل فئات أوسع من الأجراء، فضلاً عن الرفع التدريجي للحد الأدنى للأجور.

كما أبرز اعتماد التقاعد النسبي في القطاع الخاص، معتبراً ذلك خطوة نوعية نحو توسيع قاعدة المستفيدين من المعاشات، وترسيخ مزيد من العدالة الاجتماعية داخل سوق الشغل.

ولم يفت بركة التأكيد على أن الحكومة واصلت، رغم الإكراهات الدولية، دعم عدد من المواد الأساسية والخدمات الحيوية، وعلى رأسها غاز البوتان والكهرباء والنقل، بهدف التخفيف من وطأة التضخم وحماية الفئات الهشة والمتوسطة من تداعياته.

كما ربط تحسن بعض المؤشرات الفلاحية بتعزيز العرض في الأسواق الوطنية، معتبراً أن هذا التوجه يندرج ضمن استراتيجية تروم تعزيز السيادة الغذائية والحد من التبعية للأسواق الخارجية.

في المقابل، لم يتردد إدريس لشكر، الكاتب الأول لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، في توجيه انتقادات حادة للحكومة، متهماً إياها بعدم الوفاء بالتزاماتها الاجتماعية، والانحياز بشكل واضح لمصالح الشركات الكبرى على حساب المقاولات الصغرى والمتوسطة.

وخلال احتفالات فاتح ماي بمدينة طنجة، أكد لشكر أن ما تحقق على أرض الواقع يظل أقل بكثير من الوعود التي تم تقديمها، مشيراً إلى أن عدداً من الالتزامات الحكومية ما زال حبيس التصريحات والشعارات.

كما حذر من الاختلالات التي ترافق ورش الحماية الاجتماعية، معتبراً أن توسيع التغطية لا يكفي وحده، ما لم يواكبه ضمان لجودة الخدمات واستدامتها، ومشدداً على ضرورة الحيلولة دون تحول هذا الورش الاستراتيجي إلى مجال لتحقيق أرباح مفرطة لفائدة القطاع الخاص.

وانتقد لشكر كذلك طريقة توزيع الدعم العمومي، معتبراً أنه لم يُوجَّه بالقدر الكافي لدعم المقاولات الصغيرة والمتوسطة، التي تشكل، بحسب تعبيره، العمود الفقري للاقتصاد الوطني ومصدراً رئيسياً لخلق فرص الشغل.

ودعا إلى تقييم السياسات العمومية بناءً على أثرها المباشر على حياة المواطنين اليومية، لا على أساس المؤشرات الرقمية وحدها، ملوحاً بإمكانية محاسبة الحكومة سياسياً عبر صناديق الاقتراع خلال الاستحقاقات المقبلة.

من جهته، اختار عبد الإله بنكيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، توجيه رسائل سياسية واجتماعية قوية، مؤكداً أن انتقاد الأوضاع الراهنة ليس غاية في حد ذاته، بل هو محاولة لتفادي تفاقم الاختلالات وحماية الاستقرار الاجتماعي.

وخلال مهرجان خطابي نظمته نقابة الاتحاد الوطني للشغل بالمغرب، اعتبر بنكيران أن الوضع الاجتماعي، رغم صعوبته، لا يزال تحت السيطرة، لكنه حذر من مغبة الاستمرار في تجاهل المؤشرات المقلقة، التي قد تدفع البلاد إلى ما وصفه بـ”نقطة اللاعودة”.

وشدد على أن الحفاظ على التوازن الاجتماعي يمثل شرطاً أساسياً لاستمرار الاستقرار، محذراً من أن تفاقم الأوضاع المعيشية قد تكون له انعكاسات خطيرة على مختلف المستويات.

كما أثار تساؤلات حول معايير الاستفادة من بعض برامج الدعم الاجتماعي، داعياً إلى مراجعتها بما يضمن مزيداً من العدالة والشفافية، ويعزز ثقة المواطنين في السياسات العمومية.

وفي رسالة سياسية واضحة، دعا بنكيران المواطنين إلى الانخراط بقوة في العملية السياسية، عبر التسجيل في اللوائح الانتخابية والمشاركة المكثفة في الاستحقاقات المقبلة، معتبراً أن العزوف الانتخابي يساهم في تكريس اختلالات المشهد السياسي ويمنح الأفضلية للقوى المستفيدة من الوضع القائم.

وأكد أن العمل السياسي لا ينبغي أن يقتصر على المواسم الانتخابية، بل يجب أن يكون ممارسة يومية قائمة على القرب من المواطنين والتفاعل مع انشغالاتهم الحقيقية.

وبين خطاب حكومي يركز على المنجزات والإصلاحات، وخطاب معارض يسلط الضوء على أوجه القصور والاختلالات، يتأكد أن ملف الشغيلة والعدالة الاجتماعية سيظل أحد أبرز عناوين الصراع السياسي في المغرب خلال المرحلة المقبلة، خاصة مع اقتراب نهاية الولاية الحكومية.

احتفالات فاتح ماي لسنة 2026 لم تكن مجرد مناسبة نقابية عابرة، بل شكلت مؤشراً واضحاً على احتدام التنافس السياسي حول القضايا الاجتماعية، وعلى أن معركة كسب ثقة الشارع ستدور، بالأساس، حول القدرة على تقديم إجابات عملية وملموسة لتطلعات المغاربة في العيش الكريم والعدالة الاجتماعية.

01/05/2026

مقالات خاصة

Related Posts