من المعلوم في وقتنا الراهن أن بعض الكُتّاب والأدباء والمفكرين، بل وربما ممن يُحسبون على العلماء، يعتمدون أحيانًا على الذكاء الاصطناعي في تقديرهم للأمور وتحريرهم للمقالات والنصوص.
ولا يخفى على اللبيب ومن خَبِرَ الأساليب التحليلية معرفةُ أسلوب الذكاء الاصطناعي الجاف والآلي، مهما دارى اللاجئ إليه، وتوارى خلف تعبيرات يضيفها أو أساليب يغيرها، موهمًا بذلك القارئ ومدلسًا عليه.
وإن ربط هذه التقنية بالذكاء لهو عندي مثير للاستغراب والتساؤل! إذ كيف ننسب الذكاء إلى آلة لا تنتج إلا البضاعة التي أُعْطِيَتْهَا؟ يجمل بالفقيه في الدين والقانون أن يقتصدا في الاستعانة بهذه التقنية. وحبذا لو أدرج العلماء هذا الاستعمال للتحقيق فيه وتمحيصه ضمن وسائل الإثبات وقواعد الجرح والتعديل المعروفة عند أرباب الشأن.
فوجئتُ في اجتماع على مستوى مدراء مؤسسة بقول أحدهم للحضور: “انتظروا حتى نسأل ونرى جواب الذكاء الاصطناعي «شات جي بي تي» في هذه المسألة!”
فسقط الرجل من عيني، وأدركت أن المسكوت عنه في دواليب الإدارة ومراكز أخذ القرار هو لجوء الكثيرين إلى هذه التقنية.
وقد انتشرت هذه الأداة في مؤسسات الغرب الرسمية وغير الرسمية، مهددةً وظائف على مستوى كثير من الميادين كالتعليم والسكرتارية والتأليف والتحليل. وإني أقول: لا عيب ولا حرج في أن يلجأ إلى هذه التقنية من أراد أن يدقق في قواعد اللغة أو سلامة التحرير عند الضرورة القصوى، وعلى سبيل الاستئناس، مع أني أراه دافعًا إلى الكسل الفكري وعدم الاجتهاد لحذق المسائل والعلوم. وقد صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما قال: “ورب حامل فقه ليس بفقيه” رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة وأحمد.
قد يكون الذكاء الاصطناعي حاملَ فقهٍ، ولكنه عاجز حتمًا عن اعتبار الظروف الخاصة في كل نازلة فقهية أو قانونية مهما بلغ من الدقة؛ لأن المسألة الإنسانية معقدة، ولأن التكليف الشرعي لا يقع على الآلة وإنما يقع على الإنسان.
لا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يعوض العلوم الإنسانية ولا العلوم الدينية الإسلامية، لأن الفقهاء قرروا أن الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان والأحوال والعوائد والنيات.
قد قالها ابن القيم رحمه الله وغيره من علماء الأمة. والقاعدة القانونية الجنائية المعاصرة تأخذ بتكييف الجريمة، وبالظروف المخففة أو المشددة، وبقاعدة التناسب عند إنزال حكم قضائي في واقعة قانونية.
وإني أقص عليك أيها القارئ الكريم حكاية حكاها لي مسؤول قائم على تسيير مسجد كبير في فرنسا؛ ومفادها أنهم لجؤوا إلى الذكاء الاصطناعي لترجمة خطبة جمعة ألقاها إمامهم، الذي لا يحسن الفرنسية ولا يتكلم بها. فاكتشفتُ واكتشفوا في الترجمة ما يتصبب له الجبين عرقًا! إذ وجدنا فيها عبارات وأساليب تكفيرية، وكلمات لا تدل على المدلول قطعًا. فمثلًا في قولنا: “محمد عبد الله ورسوله صلى الله عليه وسلم”، تُرجمت “عبد” إلى “رقيق” (esclave) بدل “خادم” أو “عبد لله” بالمعنى الصحيح (serviteur)، و”كريم” إلى “قديس” (saint) بدل “نبيل” (noble)، وهذا من الغلط الفاحش. كانت بعض ترجماته تقريبية وخاطئة في مواطن عديدة.
حقًا، إن الذكاء الاصطناعي من نعم الله الميسرة لكثير من الأمور، ولكن ينبغي أن نحتاط في أخذنا للمعلومات والمعارف منه.
وجب التحري والتثبت والتريث وسؤال أهل العلم في الأمور الدينية والقانونية، لأن الذكاء الاصطناعي مثله كمثل سكين ينبغي استعماله على الوجه المراد.
قد بلغت هذه التقنية مبلغًا كبيرًا في الدقة من حيث العمليات الطبية التشخيصية والجراحية، وكذلك في المجال العسكري. أما الفقه والقانون فهيهات أن نستبدل الذكاء الاصطناعي، الذي هو أدنى، بالفقهاء والقضاة والأئمة والقانونيين والمشتغلين بالعلوم الإنسانية الذين هم خير.
لا أدعو إلى إلغاء استعمال الذكاء الاصطناعي، وإنما أدعو إلى ترشيد استعماله وجعل الأخلاق موجهة له.
إن إعمال القيم والأخلاق في الذكاء الاصطناعي ضرورة ملحة، وإلا استُبدل الإنسان به وصار تابعًا له بدل أن يكون متبوعًا.
وقد ذكرت هذا الأمر دراسات وتحاليل علمية.
من استعمل الذكاء الاصطناعي فليبين ذلك، ولا يدّعِ نسبة ما أفاده به إليه، لأنها أمانة علمية.
وفوق كل ذي علم عليم.
— بقلم : ذ. محمد المهدي اقرابش
أكاديمي وعضو منتدى الإسلام بفرنسا.
09/05/2026