في المغرب، يكاد لا يخلو شارع كبير أو مؤسسة تعليمية من اسم محمد بن عبد الكريم الخطابي. فمن طنجة العالية إلى الكويرة العزيزة، ظل اسم الرجل حاضرًا في ذاكرة المغاربة كأحد أعظم رموز المقاومة ضد الاستعمار الإسباني وكذلك الفرنسي، وقائدٍ أرعب القوى الاستعمارية في واحدة من أشهر معارك القرن العشرين.
لم يكن الخطابي مجرد قائد حرب في جبال الريف، بل تحول إلى رمز عالمي للمقاومة، حتى إن كبار القادة العسكريين في العالم درسوا خططه العسكرية بعد الانتصار التاريخي في معركة أنوال سنة 1921، وهي المعركة التي كسرت هيبة الجيش الإسباني وأدخلت مدريد في صدمة غير مسبوقة.
ورغم هذه المكانة التاريخية، ظل اسم الخطابي مرتبطًا بجدل طويل حول علاقته بالمغرب، وبالملك محمد الخامس، وحقيقة “جمهورية الريف” التي أعلنها خلال سنوات المقاومة.
في سنة 1957، وبعد حوالي عام فقط على استقلال المغرب، أجرى الصحافي المصري جميل عارف حوارًا نادرًا مع الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي بالقاهرة، قبل لقاء كان منتظرًا أن يجمعه بالملك محمد الخامس.
كان المغرب يعيش آنذاك مرحلة حساسة من بناء الدولة الحديثة، بينما كانت بعض الأصوات تروج لفكرة وجود قطيعة بين القصر وزعيم المقاومة الريفية.
لكن الخطابي اختار أن يرد بنفسه، وبكلمات مباشرة، وقال:
“أرادوا أن يُدخلوا في روعي أنني أتمرد في حرب الريف، وأنني أريد تأسيس دولة مستقلة، فأرسلت إليه رسولًا خاصًا يؤكد له أن ثورتنا لا تهدف إلا إلى طرد الأجنبي من بلادنا”.
ثم أضاف بحزم :
“من قال إن العلاقات بيني وبين السلطان كانت سيئة؟ في حياتي ما ساءت العلاقة بيني وبينه. صحيح أنني أعارض بعض الاتجاهات السياسية في المغرب، لكن هذه المعارضة شيء، ووجود خلاف بيني وبينه شيء آخر”.
كانت تلك التصريحات بمثابة رد تاريخي على سنوات من التأويلات، حيث أكد الخطابي أن معركته لم تكن يومًا ضد المغرب، بل ضد الاستعمار الإسباني والفرنسي، الذي قسم البلاد وحاول إخضاعها بالقوة.
وفي هذا السياق، بقي موضوع “جمهورية الريف” من أكثر الملفات التي أسيء فهمها عبر العقود. غير أن عائشة الخطابي، ابنة الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي، أوضحت في أكثر من مناسبة أن الهدف من إنشاء الجمهورية لم يكن فصل الريف عن المغرب، بل حماية المناطق المحررة من العودة إلى سيطرة الاستعمار الفرنسي.
وأكدت أن الخطابي كان يعتبر نفسه في حالة حرب من أجل تحرير المغرب، وأن إنشاء إدارة سياسية في الريف كان خطوة تنظيمية فرضتها ظروف المقاومة، خصوصًا بعدما أصبحت المناطق المحررة مهددة بالتدخل الفرنسي عقب هزيمة الإسبان.
وأضافت أن والدها كان يرى أن تحرير الريف ليس نهاية المعركة، بل بداية لتحرير المغرب كاملًا من الاحتلال.
ولعل ما يجعل شخصية الخطابي مثيرة إلى اليوم، أنه لم يكن مجرد قائد عسكري، بل رجل دولة وصاحب مشروع سياسي سابق لزمانه، جمع بين المقاومة والتنظيم والإيمان بوحدة المغرب.
لقد استطاع، من قلب جبال الريف، أن يهزم واحدة من أقوى الجيوش الاستعمارية في ذلك الوقت، وأن يفرض اسمه في الصحافة العالمية، حتى أصبح مصدر إلهام لحركات التحرر في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية.
واليوم، وبعد مرور عقود على تلك المرحلة، لا يزال اسم محمد بن عبد الكريم الخطابي حاضرًا بقوة في وجدان المغاربة، باعتباره رمزًا للكفاح الوطني، وقائدًا حمل السلاح دفاعًا عن حرية المغرب ووحدته، لا من أجل تقسيمه .
— بقلم : نوفل بوصفي
طالب باحث في القانون العام بجامعة محمد الخامس أكدال
