في الوقت الذي يُفترض فيه أن تنشغل وكالة تهيئة بحيرة مارتشيكا بمشاريع التنمية، والاستثمار، وتحسين صورة واحدة من أهم الواجهات البيئية والسياحية بشرق المغرب، يبدو أن أروقة المؤسسة تحولت إلى خلية أزمة مرتبكة، بعد الزلزال الذي أحدثته افتحاصات المجلس الأعلى للحسابات، والتقارير التي نشرتها “كواليس الريف” والتي فجّرت ملفات ثقيلة تتعلق بـ”موظفين أشباح” وعقود التوظيف المريحة لمن لا يُرى لهم أثر داخل المكاتب ولا في الميدان.
الاجتماع “الاستعجالي” الذي قادته المديرة العامة للوكالة، لبنى بوطالب، يومه الأربعاء 20 ماي الجاري، لم يكن، وفق مصدر “كواليس الريف” الذي حضر اللقاء ، اجتماع تقييم عادي، بل بدا أقرب إلى جلسة استنفار داخلية فرضها الخوف من اتساع دائرة التسريبات وتقدم قضاة المجلس الأعلى للحسابات في تفكيك خيوط ملفات محرجة. والذي عرف حضور كل من نبيل الباروزي، المسؤول المالي بشركة “مارشيكا ميد”، وزنفور، وقيس، ورحاب، المسؤولة عن قطب التعمير، إضافة إلى أبو بكر الشعراوي، وزهير مدير القطب المالي بالوكالة، إلى جانب عدد من المسؤولين الآخرين داخل الوكالة والشركة .
الأخطر في كل ما راج داخل الاجتماع، والذي تحصلت “كواليس الريف” على تفاصيله ، ليس فقط الحديث عن افتحاصات قضائية مستمرة منذ أيام، بل مداخلة زنفور ( المكلف بمهمة غير واضحة داخل شركة مارتشيكا-ميد ، مقابل 45000 درهم وسيارة خدمة وتعويضات ) وحديثه عن “تفكيك” أسئلة قضاة المجلس الأعلى للحسابات و”إيهامهم” خلال جلسات الاستماع ، وهي مؤشرات مقلقة لا تتعلق فقط بالتدبير الإداري، بل بثقافة كاملة تقوم على الالتفاف ، ومحاولة امتصاص العاصفة بدل مواجهة الحقيقة بشفافية ومسؤولية.
وفي مشهد يكشف حجم الارتباك، بدا أن هاجس قيادة الوكالة لم يعد هو تفسير الاختلالات للرأي العام أو توضيح حقيقة ملفات التوظيف المثيرة للجدل،والصفقات المشبوهة وتعطيل الإستثمار … بل البحث المحموم عن “الخائن” الذي يسرّب الوثائق والمعطيات إلى “كواليس الريف” . وكأن المشكلة ليست في وجود أشباح يتقاضون أجورًا سمينة دون مردودية واضحة، بل فيمن تجرأ على فضح ذلك وتسريبه إلى جريدة “كواليس الريف” .
اللافت أيضًا أن المؤسسة التي راكمت لسنوات خطابًا براقًا حول الحكامة والشفافية والتنمية المستدامة، تجد نفسها اليوم في قلب دوامة من الشكوك والأسئلة الثقيلة: كيف صُرفت الميزانيات؟ من المستفيد من عقود التوظيف؟ ولماذا تحولت بعض المناصب إلى ريعًا إداريًا ، داخل مؤسسة يفترض أنها وُجدت لخدمة التنمية لا لتوزيع الامتيازات؟
ما يجري داخل “مارتشيكا” لم يعد مجرد خلاف إداري داخلي أو تسريبات معزولة، بل مؤشر خطير على اهتزاز الثقة في واحدة من أبرز المؤسسات العمومية بشرق المملكة. وعندما يصبح همّ بعض المسؤولين هو مطاردة مصادر التسريب بدل الإجابة عن مضمون الوثائق والمعطيات المسرّبة، فإن الرسالة التي تصل إلى الرأي العام تكون واضحة: هناك ما يستحق الإخفاء أكثر مما يستحق التوضيح.
اليوم، الكرة لم تعد فقط في ملعب الوكالة، بل أيضًا في يد مؤسسات الرقابة والقضاء المالي، لأن الرأي العام بالناظور وعموم الريف لم يعد يقتنع بالبلاغات الرمادية ولا بلغة “كل شيء على ما يرام”. الناس يريدون معرفة الحقيقة كاملة: من اشتغل؟ من استفاد؟ ومن حوّل مؤسسة يفترض أنها قاطرة للتنمية إلى عنوان جديد للغموض والامتيازات والارتباك الإداري؟
— طالع مقال ذي صلة أسفله :
20/05/2026الناظور : مارتشيكا تحت النار … افتحاص قضائي يطارد “شبكة تدبير” في ظل وجود اختلالات خطيرة