تحوّل ملف المقاول صلاح الدين المومني من مجرد نزاع عقاري عادي إلى قضية تثير الكثير من علامات الاستفهام القانونية والمالية، بعدما كشفت وثائق ومعطيات جديدة، توصلت بها جريدة “كواليس الريف”، عن معطيات خطيرة مرتبطة باستمرار معاملات مالية وعقارية تتم باسم برامج رسمية وهيئات مؤسساتية، رغم صدور حكم قضائي سابق في حق المعني بالأمر يقضي بسنتين حبساً نافذاً بسبب معاملات وصفتها المحكمة بـ”التدليسية”.
وبحسب الوثائق التي توصلت بها الجريدة ، فإن المومني ما يزال يباشر عمليات مرتبطة بمشاريع سكنية، مع توظيف أسماء مؤسسات رسمية كبرى، من بينها وزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان، ووزارة الاقتصاد والمالية، إضافة إلى هيئة الموثقين، في سياقات توحي للراغبين في الاستفادة بأن المعاملات تتم في إطار قانوني ورسمي تحت مظلة برنامج “الدعم المباشر للسكن” الذي أطلقته الدولة.
غير أن المعطيات الجديدة تثير، وفق متابعين، مخاوف من إعادة إنتاج نفس الأساليب التي كانت موضوع الإدانة القضائية السابقة، لكن هذه المرة تحت غطاء برنامج اجتماعي موجه أساساً لدعم المواطنين في اقتناء السكن.في
وتكشف إحدى الوثائق المعنونة بـ”الإشهاد بالتنازل على شقة مقابل منزل فردي” أن المنخرطين يُطلب منهم إدراج مبلغ 100 ألف درهم باعتباره قيمة “الدعم” المرتبط بالسكن، في حين أن المرسوم الحكومي رقم 2.23.350 الصادر بتاريخ 15 نونبر 2023، والمنظم لبرنامج الدعم المباشر للسكن، ينص بشكل واضح على أن السكن الذي يتجاوز ثمنه 300 ألف درهم ويقل عن 700 ألف درهم لا يستفيد سوى من دعم محدد قانوناً في 70 ألف درهم فقط.
وبالرجوع إلى مضمون الوثيقة نفسها، يتضح أن المشروع السكني المعني يتجاوز سقف 300 ألف درهم، ما يعني أن قيمة الدعم القانونية لا يمكن أن تتعدى 70 ألف درهم، وهو ما يطرح تساؤلات مقلقة حول مصير الفرق المالي البالغ 30 ألف درهم، والذي لا يجد له أي أساس داخل النص التنظيمي الرسمي المؤطر للإعانة العمومية.
الأكثر إثارة للجدل، بحسب المعطيات ذاتها، هو الطريقة التي تُقدم بها هذه الوثائق للمواطنين، حيث توحي بأن الأمر يتعلق بإجراء رسمي تابع مباشرة لبرنامج الدولة، بينما تؤكد النصوص القانونية المنظمة أن الدعم العمومي يُصرف حصرياً لفائدة المستفيد المؤهل، عبر تحويل بنكي أو شيك باسم الموثق، ومن خلال منصة إلكترونية ومساطر دقيقة ومحددة، وليس عبر تسليم الأموال لمنعش عقاري أو تحويلها إلى حساب شركة خاصة.
وفي تطور آخر يزيد من تعقيد الملف، تشير الوثائق إلى أن المعني بالأمر يطالب المنخرطين بأداء ما يسميه “مصاريف التوثيق والتحفيظ”، رغم أن المشروع، وفق المعطيات المتوفرة، لا يزال يفتقد لإجراءات الإفراز والتقسيم العقاري النهائي “l’éclatement”، وهي وضعية قانونية تثير بدورها أسئلة حول الأساس الذي يتم بموجبه استخلاص رسوم مرتبطة بالتفويت النهائي والتحفيظ العقاري قبل استكمال الشروط القانونية المطلوبة.
وتذهب المعطيات المتداولة أبعد من ذلك، إذ تؤكد أن صلاح الدين المومني ليس موثقاً، ولا يتوفر على أي صفة قانونية تخول له تحصيل رسوم التوثيق أو استخلاص واجبات تدخل ضمن اختصاصات مهن منظمة قانوناً لفائدة هيئة الموثقين، ومع ذلك يتم، وفق الوثائق نفسها، مطالبة المواطنين بتحويل الأموال إلى حسابه الشخصي أو إلى حساب شركته الخاصة، مع استعمال مصطلحات من قبيل “الموثق” و”التوثيق” لإضفاء طابع قانوني ورسمي على العملية.
هذه الوقائع، بحسب متابعين للشأن القانوني، قد تندرج ضمن شبهة انتحال صفة مهنية ينظمها القانون، واستعمال صفات محمية قانوناً من أجل تحصيل أموال من المواطنين، خاصة عندما تكون مصحوبة بوسائل توحي بوجود مساطر قانونية سليمة أو مؤسسات رسمية داعمة للعملية.
كما أعادت هذه التطورات إلى الواجهة تفاصيل الحكم القضائي السابق الصادر في حق المعني بالأمر، والذي تحدث، وفق الوثائق المتداولة، عن وقائع مشابهة مرتبطة ببيع شقق وتلقي أموال من مواطنين واستعمال أساليب تدليسية في عمليات الحجز والتفويت، وهي الأنماط نفسها التي يرى متابعون أنها تتكرر اليوم ولكن تحت غطاء “الدعم المباشر للسكن”.
ويثير استمرار هذه الممارسات، رغم الإدانة السابقة، تساؤلات حقيقية حول فعالية آليات المراقبة والزجر، ومدى إمكانية استغلال برنامج اجتماعي أطلقته الدولة لدعم المواطنين وتحسين ولوجهم للسكن، في عمليات تحيط بها كل هذه الشبهات القانونية والمالية.
وفي ظل خطورة المعطيات المتداولة، تتعالى الأصوات المطالبة بفتح تحقيق عاجل ومعمق من طرف الجهات المختصة والنيابة العامة، من أجل حماية المال العام، وضمان حقوق المواطنين، والتأكد من مدى احترام القوانين المنظمة لبرنامج الدعم المباشر للسكن، تفادياً لتكرار وقائع سبق أن قادت إلى أحكام قضائية سالبة للحرية.

