في مشهد سياسي يزداد سخونة كلما اقترب من قضايا الهوية والهجرة، يعود حزب فوكس ليشعل واحدة من أكثر الملفات حساسية في إسبانيا، هذه المرة عبر استهداف ما يسميه، في مخيلته المشوَّهة، “عيد الأضحية”، في خطاب يضع الجالية المغربية المقيمة بالخارج ومسلمي إسبانيا في قلب عاصفة سياسية لا تهدأ.
مرة أخرى، يختار اليمين المتطرف ملفًا دينيًا ليحوّله إلى ساحة مواجهة، وكأن المعركة ليست سياسية ولا اقتصادية ولا اجتماعية، بل “حرب رمزية” عنوانها الخروف وطريقة الذبح، في محاولة لإعادة رسم مفهوم الهوية الإسبانية على مقاس واحد لا يتسع لغيره.
الحزب الذي يقوده سانتياغو أباسكال خرج بمطالب صريحة تدعو إلى منع “عيد الأضحى” داخل التراب الإسباني، وتعويضه بما يسميه “الذبح التقليدي”… وكأن “التقليدي” هنا ليس سوى اسم لطيف لنسخة معقّمة من الطقوس، تُناسب ذوق السياسة أكثر مما تُناسب واقع مجتمع متعدد الديانات.
وبنبرة لا تخلو من التصعيد، يعتبر مسؤولو الحزب أن السماح بهذه الشعائر الدينية يمثل “استسلامًا ثقافيًا” أمام ما يصفونه بتوسع المظاهر الإسلامية في الفضاء العام الإسباني، في تجاهل واضح لكون الأمر يتعلق بحقوق دينية لمواطنين ومقيمين داخل دولة يفترض أنها متعددة الديانات، لا متحفًا لهوية واحدة.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ وجّه الحزب سهامه أيضًا إلى حزب الشعب في مدن مثل سبتة ومليلية المحتلتين وخيريز دي لا فرونتيرا، متهمًا إياه بـ”تشجيع الإسلام” رغم تواجده في الحكم، وكأن ممارسة شعائر دينية داخل أوروبا أصبحت فجأة قرارًا سياسيًا لا حقًا دستوريًا.
وفي المقابل، تتوسع كل سنة مظاهر الاحتفال بـعيد الأضحى في عدد من المدن الإسبانية، حيث تنظم الجالية المغربية المقيمة بالخارج وباقي مسلمي إسبانيا طقوسهم الدينية في إطار قانوني واضح، ما يجعل الجدل يتجدد كل مرة بين واقع التعدد الثقافي وخطابات الإقصاء السياسي التي لا تزال تعتبر الذبح الديني “معركة هوية”… و”الذبح التقليدي” البديل السحري الذي يبدو أنه سيحل كل أزمات العصر، من الهجرة إلى الجاذبية الأرضية، فقط لو طُبّق على الخراف بدل البشر.
وفي النهاية، قد يبدو أن بعض الخطابات ما زالت تظن أن “هوية أوروبا” تُشوى على نار هادئة، وأن مشكلتها الكبرى ليست الأزمات الاقتصادية ولا الاجتماعية، بل رائحة خروف يُحضَّر في عيد الأضحى.
وكأن “الذبح التقليدي” الذي يلوّحون به هو وصفة سحرية ستُنقذ القارة من كل تعقيداتها، بشرط واحد فقط: أن يُستبدل كل شيء… بما في ذلك الواقع، بوجبة جاهزة على الفحم السياسي.
أما على الأرض، فالمشهد أبسط بكثير: الجالية المغربية المقيمة بالخارج ومسلمو إسبانيا يمارسون شعائرهم، فيما يواصل البعض خلط السياسة برائحة الشواء، وكأن العالم يُدار لا بالقوانين… بل بمدى نضج اللحم على اللهب.
27/05/2026