kawalisrif@hotmail.com

إسبانيا تُشهر “طربوش الاستعمار” فوق ذاكرة الريف… و“ريغولاريس” سبتة ومليلية المحتلتين يستحضرون دماء المغرب في عرض عسكري مثير للجدل

إسبانيا تُشهر “طربوش الاستعمار” فوق ذاكرة الريف… و“ريغولاريس” سبتة ومليلية المحتلتين يستحضرون دماء المغرب في عرض عسكري مثير للجدل

في مشهد يعيد إلى الواجهة ظلال الماضي الاستعماري الثقيل، تستعد وحدات “الريغولاريس” التابعة للجيش الإسباني في سبتة ومليلية المحتلتين للمشاركة في احتفالات “يوم القوات المسلحة” بمدينة فيغو، في عرض عسكري تقدّمه مدريد باعتباره مناسبة لـ“الفخر والوحدة”، بينما يراه كثيرون في المغرب استعادة رمزية لذاكرة استعمارية لم تُطوَ بعد.

وتأتي هذه الاستعدادات في سياق تغطية إعلامية إسبانية تُروّج لما تسميه “فخر الطربوش الأحمر”، باعتباره جزءاً من تقاليد عسكرية ضاربة في التاريخ، ارتبطت بحروب الريف وفترة الحماية الإسبانية بالمغرب. غير أن هذا الخطاب الاحتفائي يصطدم بذاكرة مغربية مثقلة بمرحلة دموية من المواجهة، كان فيها شمال المغرب مسرحاً لحرب استعمارية شرسة.

ووفق ما نشرته صحيفة محلية في كل من سبتة ومليلية، فإن وحدات “الريغولاريس” كثفت تدريباتها الأخيرة قبل العرض العسكري المرتقب يوم 30 ماي، بحضور ولية عهد إسبانيا، الأميرة ليونور، إلى جانب مشاركة “الفيلق الإسباني” القادم من مليلية المحتلة، المصحوب بما يُسمى “باراكا”، التيس الذي تحوّل مع الزمن إلى تميمة مثيرة للسخرية أكثر من كونه رمزاً عسكرياً.

أفردت الصحافة الإسبانية تقارير مطوّلة لما تصفه بـ“التاريخ المجيد للطربوش الأحمر”، معتبرة أنه ليس مجرد قطعة لباس، بل “رمز للشرف والتضحية في خدمة إسبانيا”. غير أن القراءة التاريخية المغربية تكشف أن هذا الرمز نفسه ارتبط بمرحلة استعمارية عنيفة، اتسمت بالقمع العسكري في جبال الريف خلال عشرينيات القرن الماضي.

وتقرّ بعض المصادر الإسبانية نفسها بأن الجيش الاستعماري اضطر سنة 1925 إلى إعادة النظر في استخدام الطربوش الأحمر، بعدما تبيّن أنه كان يجعل الجنود أهدافاً واضحة في ساحات القتال خلال حرب الريف، حيث كان اللون الأحمر يكشف مواقعهم بسهولة وسط تضاريس جبلية قاتلة.

وبحسب تلك الروايات، صدر قرار باستبدال الطربوش الأحمر بقبعة بلون “الكاكي” لتقليل الخسائر، في اعتراف غير مباشر بقوة المقاومة الريفية التي أربكت واحدة من أقوى الجيوش الأوروبية آنذاك. غير أن المفارقة التي يثيرها الخطاب المغربي اليوم أن ما كان سبباً في الهزيمة العسكرية يُعاد تقديمه في الخطاب الإسباني المعاصر كـ“ملحمة رمزية” قابلة للاحتفاء.

الأكثر إثارة للجدل أن بعض الخطاب العسكري الإسباني ما يزال يستحضر “الدماء التي سالت في شمال إفريقيا” بوصفها جزءاً من الإرث القتالي لـ“الريغولاريس”، وهو ما يعتبره مراقبون استمراراً لقراءة كولونيالية للتاريخ، تتجاهل طبيعة تلك الحروب بوصفها صراعاً استعمارياً غير متكافئ.

في المقابل، يؤكد المغاربة أن اسم “الريغولاريس” لا يمكن فصله عن ذاكرة مقاومة طويلة، ارتبطت بسنوات من المواجهة ضد الاحتلال الإسباني، بما في ذلك استخدام القوة المفرطة والغازات السامة في مناطق الريف، وهي ملفات لا تزال تثير جدلاً تاريخياً وأكاديمياً واسعاً.

وفي الوقت الذي تسعى فيه الرباط ومدريد إلى ترسيخ منطق الشراكة وحسن الجوار، تستمر بعض المنابر الإعلامية في سبتة ومليلية المحتلتين في استحضار الرموز العسكرية ذات الحمولة الاستعمارية، في سردية تميل إلى تمجيد الماضي أكثر مما تقرأه نقدياً.

أما ما يُعرف في الذاكرة المحلية بـ“خندق الذئب”، فيبقى رمزاً لمعركة سبقت أنوال، جسدت فيها المقاومة الريفية بقيادة المجاهد الشريف محمد أمزيان عبقرية تحويل الأرض إلى عنصر قتال، في مواجهة جيش جاء بثقافة الاستعراض العسكري والزي الموحّد والطربوش الأحمر الذي كان يلفت النظر أكثر مما يحمي صاحبه.

لكن خلف هذا الجدل الرمزي، تعود الذاكرة الأعمق للريف لتفرض حضورها، من خندق الذئب إلى أنوال، حيث لم تكن المعارك مجرد مواجهات عسكرية، بل لحظات فاصلة في كسر هيبة جيش استعماري واجه مقاومة شرسة بقيادة الأمير محمد عبد الكريم الخطابي، إلى جانب شخصيات مقاومة بارزة مثل الشريف محمد أمزيان، الذين حوّلوا الجغرافيا الوعرة إلى سلاح، والإرادة إلى استراتيجية مواجهة.

في جبال الريف، لم تكن القوة تقاس بعدد الجنود أو حجم العتاد، بل بقدرة الإنسان على الصمود. هناك، سقطت أسطورة التفوق العسكري في أنوال سنة 1921، وامتدت آثارها إلى كل الجبهات، لتشكل نقطة تحول كبرى في تاريخ الاستعمار الإسباني في شمال إفريقيا.

اليوم، وبينما تستعد سبتة ومليلية المحتلتان لاستعراض “فخر الطربوش”، تبدو المفارقة صارخة: احتفال يُقدَّم كرمز للبطولة في مكان، ويُستحضر في مكان آخر كعلامة على مرحلة استعمارية دامية لم تُغلق صفحاتها بالكامل بعد في الذاكرة.

ورغم محاولات تلميع الرموز العسكرية، يبقى الثابت في الذاكرة التاريخية المغربية أن الريف لم يكن يوماً هامشاً في الصراع، بل كان مركزاً لتحول تاريخي كبير أنهى أسطورة التفوق الاستعماري، وفتح صفحة جديدة من الوعي والمقاومة في مواجهة مشروع إمبراطوري اصطدم بجغرافيا لا تُخضع وشعب لا ينسى.

29/05/2026

مقالات خاصة

Related Posts