في مشهد صادم يهز صورة “الحلم الأمريكي”، كشفت أرقام حديثة صادرة عن الاحتياطي الفدرالي في نيويورك أن معدلات الجوع داخل الولايات المتحدة تجاوزت حتى المستويات التي سُجلت خلال ذروة جائحة كورونا، ما يعكس أزمة اجتماعية خانقة تضرب قلب أقوى اقتصاد في العالم، وتكشف الوجه الآخر لأمريكا التي تتباهى بالثروة والنفوذ العالمي.
وأظهرت البيانات الجديدة أن نحو 10 بالمئة من الأسر الأمريكية تعاني اليوم من نقص حاد في الغذاء، أو أن أطفالها لا يحصلون على وجبات كاملة، وهي نسبة تفوق بأكثر من الضعف ما تم تسجيله سنة 2020 أثناء الإغلاق الشامل بسبب الجائحة. كما اضطرت أعداد قياسية من المواطنين إلى استنزاف مدخراتهم لتغطية تكاليف المعيشة اليومية وسط موجة غلاء غير مسبوقة.
ولم تتوقف المؤشرات المقلقة عند هذا الحد، إذ أكد أكثر من 15 بالمئة من الأسر الأمريكية أنها أصبحت تعتمد على المساعدات الغذائية والتبرعات من أجل البقاء، في وقت تشهد فيه أسعار المواد الأساسية ارتفاعاً متواصلاً أنهك الطبقات الفقيرة والمتوسطة على حد سواء، خصوصاً في المدن الكبرى التي تحولت فيها تكاليف الحياة إلى كابوس يومي.
الأزمة، بحسب معطيات الاحتياطي الفدرالي، تضرب بقوة الأسر ذات الدخل المحدود والعائلات التي لديها أطفال صغار، بينما تتسع الهوة الاجتماعية بشكل مخيف بين الأثرياء والفقراء داخل المجتمع الأمريكي. فبينما تحقق الشركات العملاقة أرباحاً خيالية، يجد ملايين الأمريكيين أنفسهم عاجزين عن تأمين أبسط الحقوق الأساسية، وعلى رأسها الغذاء.
ويرى مراقبون أن تداعيات جائحة كورونا لم تنتهِ فعلياً داخل الولايات المتحدة، رغم مرور سنوات على الأزمة، إذ خلّفت موجات التضخم وارتفاع الأسعار آثاراً عميقة على الاقتصاد والأسرة الأمريكية، خاصة بعد استنزاف برامج الدعم والتحفيز المالي التي ضختها واشنطن خلال سنوات الوباء.
وتحذر تقارير اقتصادية من أن استمرار هذه الأوضاع قد يؤدي إلى انفجار اجتماعي صامت داخل أمريكا، خصوصاً مع ارتفاع معدلات الفقر والتشرد وتراجع القدرة الشرائية، في وقت تعجز فيه السياسات الاقتصادية عن وقف نزيف الغلاء أو إعادة الاستقرار إلى سوق العمل والأسعار.
وفي مفارقة مؤلمة، تبدو الولايات المتحدة اليوم أمام صورة غير مألوفة: طوابير للمساعدات الغذائية، أطفال مهددون بالجوع، وأسر تغرق في الديون داخل بلد يقود الاقتصاد العالمي ويتحكم في مفاصل النظام المالي الدولي، ما يطرح أسئلة محرجة حول حقيقة النمو الأمريكي ومن يدفع ثمنه داخلياً.
وبين ناطحات السحاب العملاقة وأسواق المال التي تتحكم في اقتصاد العالم، تكشف طوابير الجوع في الولايات المتحدة حقيقة أكثر قسوة: ملايين الأمريكيين لم يعودوا يبحثون عن “الحلم الأمريكي”، بل عن وجبة تكفي أبناءهم حتى نهاية اليوم. إنها صورة تهز هيبة أكبر قوة اقتصادية في العالم، وتفضح اتساع الفجوة بين أمريكا الأثرياء وأمريكا المنسيين، في زمن بات فيه الجوع يطرق أبواب الدولة التي طالما قدّمت نفسها نموذجاً للرخاء والازدهار.
