نُظّمت بمدينة أليس الفرنسية، أول أمس الجمعة 5 يونيو 2026، ندوة فكرية حول موضوع “الحرية الدينية في الجمهورية الفرنسية”، وذلك في إطار فعاليات الدورة الخامسة لمهرجان الكتاب تحت شعار: «Festival de passeurs de livres – Alès».
وعرفت الندوة مشاركة عدد من الأكاديميين ورجال الدين، من بينهم الأكاديمي المغربي والمرشد الديني محمد المهدي اقرابش، وأسقف مدينة نيم نيكولا بروويه، والقس البروتستانتي فرنسوا كلافيغولي، إلى جانب الأكاديمي والباحث في قضايا اللائكية نيكولا كادين.
وخلال مداخلته، أبرز نيكولا كادين الدور المحوري لمبدأ اللائكية (العلمانية) في ضمان حرية المعتقد داخل الجمهورية الفرنسية، باعتباره إطاراً قانونياً يكرّس المساواة بين المواطنين ويعزز التعددية الفكرية والدينية والفلسفية، في حدود احترام النظام العام. كما انتقد ما وصفه بـ“الجهل المزدوج” لدى بعض الفاعلين السياسيين حول مفهوم اللائكية من جهة، وحقيقة الأديان من جهة أخرى، مؤكداً في الوقت نفسه على أهمية إدراج الشأن الديني ضمن المناهج التعليمية بوصفه معطى ثقافياً واجتماعياً لا يمكن تجاهله أو توظيفه سياسياً.
من جهته، شدد أسقف نيم نيكولا بروويه على أن حياد الدولة لا يعني إقصاء الدين من المجال العام، بل يفرض على السلطة السياسية الوقوف على مسافة واحدة من جميع الأديان. وأبرز أن الدين يظل فاعلاً في تشكيل القيم المجتمعية، مشيراً إلى مساهمة المؤسسات الدينية، خاصة الكنيسة الكاثوليكية، في مجالات الحوار بين الأديان والعمل الاجتماعي والدعم الروحي.
أما القس البروتستانتي فرنسوا كلافيغولي، فقد استحضر محطات تاريخية مفصلية في تطور العلاقة بين الدين والدولة في فرنسا، من بينها الصراع التاريخي بين الكاثوليك والبروتستانت، وقضية جون كالاس التي وثّقها فولتير في كتابه “رسالة في التسامح”، إضافة إلى قانون 1905 الخاص بفصل الدين عن الدولة. وحذر في مداخلته من أي نزوع لإقصاء الدين من الفضاء العام، مؤكداً أن الدولة لائكية في تنظيمها لكنها مطالبة بضمان حرية المعتقد، مع دعوة إلى إشراك المرجعيات الدينية في النقاشات الأخلاقية المعاصرة.
وفي السياق ذاته، اعتبر الأكاديمي محمد المهدي اقرابش أن اللائكية مبدأ قانوني يهدف أساساً إلى حماية حرية التدين وليس إلى مناهضته، مبرزاً أن التجربة الفرنسية، رغم نشأتها على خلفية صراع تاريخي بين الكنيسة والدولة، انتهت إلى تكريس نموذج عملي للتعايش بين مختلف المعتقدات. كما أشار إلى أدوار المؤسسات الرسمية المعنية بتدبير الشأن الديني في إطار احترام قانون 1905، بما يضمن حرية العبادة في الفضاءات العامة والخاصة.
واستحضر اقرابش أيضاً إسهامات الفيلسوف ابن رشد في التوفيق بين العقل والدين، باعتباره نموذجاً فكرياً يبرز إمكانية التعايش بين التفكير الفلسفي والديني دون قطيعة. كما توقف عند الجدل الذي يرافق حضور الإسلام في فرنسا، في ظل مخاوف اجتماعية وسياسية مرتبطة بممارسة الشعائر الدينية.
وشهدت الجلسة تفاعلاً واسعاً من الحضور، من خلال أسئلة وتعقيبات عكست راهنية النقاش حول قضايا الدين واللائكية وحرية المعتقد في السياق الفرنسي المعاصر.
07/06/2026