يواصل الأكاديمي المغربي محمد نورالدين أفاية انشغاله بالأسئلة الفلسفية والأخلاقية التي تطرحها الحداثة الرقمية، من خلال قراءة في الرسالة البابوية الصادرة عن البابا ليون الرابع عشر تحت عنوان “الإنسانية الرائعة”، والمخصصة لمخاطر التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي التوليدي. ويتوقف أفاية عند التحول الذي عرفته صورة البابا الجديد، من شخصية بدت في بداياتها هادئة ومتحفظة، إلى صوت ديني وسياسي ينتقد الحروب، ويدافع عن المهاجرين، وينبه إلى مخاطر تحويل التكنولوجيا إلى أداة للهيمنة ونزع الإنسانية.
ويرى أفاية أن أهمية الرسالة تكمن في كونها لا تكتفي بمنظور ديني ضيق، بل تقترح تفكيرا إنسانيا واسعا في مصير الإنسان أمام اتساع سلطة الخوارزميات، مستحضرة تقليد الرسائل البابوية الكبرى منذ “الأمور المستحدثة” للبابا ليون الثالث عشر، وصولا إلى رسائل يوحنا بولس الثاني حول العلاقة بين الإيمان والعقل، ورسالة البابا فرانسوا بشأن البيئة والبيت المشترك. وتؤكد الوثيقة، كما يعرضها أفاية، أن الذكاء الاصطناعي ليس أداة محايدة بالكامل، لأنه يحمل قيما وتصورات صاغها مطوروه والشركات المالكة له، بما يفرض نقاشا عاما حول الحكامة والشفافية والعدالة الرقمية.
وتنبه الرسالة، وفق قراءة أفاية، إلى مخاطر احتكار كبرى الشركات الخاصة للتكنولوجيا، وما قد ينتج عن ذلك من تفاوتات اجتماعية، وتلاعب بالعقول والمعطيات، وتبعية معرفية وعاطفية، إضافة إلى استعمالات عسكرية تهدد السلم والكرامة الإنسانية. ومن هنا يشدد البابا ليون الرابع عشر على ضرورة ضبط الذكاء الاصطناعي وتوجيهه نحو الخير العام، بدل تركه لمنطق السوق أو سباق التسلح، داعيا إلى جعله في خدمة الإنسان والعدالة والتضامن، لا وسيلة للسيطرة أو الإقصاء أو إنتاج أشكال جديدة من العنف.
08/06/2026