في الوقت الذي تشتعل فيه جبهات غزة ولبنان وسوريا، وتتصدر التطورات الأمنية في الشرق الأوسط نشرات الأخبار العالمية، اختار موقع إسباني إعادة فتح ملف التعاون العسكري المتنامي بين المغرب وإسرائيل، في تقرير قدّمه بأسلوب يوحي وكأن الرباط وتل أبيب أعلنتا عن “تحول مفاجئ”، بينما الحقيقة أن المسار كان واضحاً ومتدرجاً منذ سنوات.
تقرير صحيفة “إل إندبندينتي” الإسبانية تناول هذا التعاون من زاوية أقرب إلى الاكتشاف المتأخر، مشيراً إلى توسع العلاقات العسكرية بين الرباط وتل أبيب، والتي لم تعد تقتصر على صفقات تسليح محدودة، بل تشمل مجالات أوسع تتعلق بتبادل الخبرات والتكنولوجيا الدفاعية وأنظمة المراقبة.
لكن ما يبدو “جديداً” في بعض التغطيات الإعلامية، ليس في الواقع سوى استمرار لمسار استراتيجي تبنّاه المغرب منذ سنوات، يقوم على تنويع الشركاء الدفاعيين، وتحديث منظومته العسكرية بعيداً عن منطق الاصطفاف التقليدي أو الارتهان لمصدر واحد.
التقرير أشار إلى أن التعاون يشمل أنظمة مراقبة متقدمة، وطائرات مسيّرة، وتجهيزات عسكرية مختلفة، إضافة إلى برامج مرتبطة بالصناعات الدفاعية. غير أن طريقة تقديم هذه المعطيات بدت وكأنها تكشف “سرّاً دفيناً”، في حين أن التحولات في السياسة الدفاعية المغربية كانت معلنة ومتدرجة وواضحة لمن يقرأ المشهد دون انتقائية.
اللافت في جزء من التغطيات الإسبانية ليس مضمون الخبر بقدر ما هو زاوية القراءة نفسها؛ قراءة تتعامل مع تحركات المغرب الخارجية وكأنها استثناء يحتاج إلى تفسير دائم، أو كأن الرباط مطالبة بتقديم مبررات لكل خيار سيادي تتخذه في إطار أمنها القومي.
في المقابل، لا يظهر المغرب في هذا السياق كفاعل ردّ فعل، بل كدولة تُعيد ضبط موقعها داخل معادلة إقليمية معقدة، وتبني شبكة علاقات متعددة الاتجاهات تشمل الولايات المتحدة وأوروبا وقوى أخرى، ضمن منطق براغماتي واضح: تنويع مصادر القوة لا حصرها.
التقرير الإسباني نقل أيضاً عن محللين أن جزءاً من اقتناء المغرب للتكنولوجيا العسكرية الإسرائيلية يرتبط باعتبارات سياسية واستراتيجية، مشيراً إلى أن بعض هذه الأنظمة يمكن الحصول عليها من دول أخرى. لكن هذا الطرح يتجاهل حقيقة بديهية في عالم الدفاع: القرار لا يُبنى على “قائمة شراء” فقط، بل على توافقات تقنية، وشروط تشغيل، واعتبارات سياسية، وتوازنات نفوذ دقيقة.
وهنا تحديداً يظهر الفارق بين قراءة سطحية تختزل الصفقات في منطق “استبدال مورد بآخر”، وقراءة استراتيجية تدرك أن الدول لا تتحرك بمنطق السوق، بل بمنطق السيادة والفعالية والجاهزية.
التعاون المغربي الإسرائيلي، كما يقدّمه التقرير، يُسجَّل أيضاً كتحول في سوق السلاح الإقليمي، حيث صعدت إسرائيل لتصبح مورداً مهماً للمعدات العسكرية المغربية، في مشهد يعكس إعادة تشكيل أوسع لخريطة التسلح عالمياً، لا يمكن اختزاله في زاوية واحدة أو سردية جاهزة.
لكن بعض الخطابات الإعلامية الإسبانية تبدو وكأنها ما زالت تحاول قراءة التحولات الإقليمية بأدوات قديمة، تفترض أن أي تغيير في موقع المغرب يجب أن يكون “مفاجئاً”، أو خاضعاً لنمط تفسير خارجي، رغم أن الوقائع تشير إلى عكس ذلك تماماً.
فالمغرب لا يتحرك تحت ضغط المفاجآت الإعلامية، بل وفق رؤية طويلة المدى، تقوم على بناء النفوذ بهدوء، وتوسيع هامش القرار الاستراتيجي دون ضجيج أو استعراض.
وفي نهاية المطاف، لا تكمن الإشكالية في أن الرباط تعيد رسم شراكاتها العسكرية، بل في أن بعض دوائر المتابعة ما زالت تصرّ على التعامل مع هذه التحولات وكأنها أخبار طارئة، بينما هي في الواقع نتائج مسار ممتد من إعادة التموضع الإقليمي.
وبين إعلام يبحث عن “السبق الصحفي” بعد وقوع الأحداث، ودولة تتحرك وفق حسابات باردة وطويلة المدى، تتكشف الفجوة الحقيقية: المغرب لا يدخل المشهد اليوم، بل يواصل إعادة تشكيله بهدوء، بينما يحاول البعض فقط متأخراً فهم الخريطة الجديدة.
ولا يبدو أن السؤال الحقيقي هو عن طبيعة هذا التعاون بقدر ما هو عن عجز بعض الخطابات الإعلامية عن مواكبة زمنٍ تغيّرت فيه قواعد اللعبة.
فبينما تتحرك الدول وفق منطق المصالح الباردة، وتعيد رسم خرائط نفوذها بهدوء محسوب، ما زالت بعض المنابر تلهث خلف “الخبر” وكأنه لحظة اكتشاف، لا امتداد لمسار طويل بدأ قبل أن يُكتب العنوان بوقتٍ كافٍ.
وهكذا، حين يتأخر الفهم عن الفعل، لا يعود الإعلام صانعاً للسردية، بل مجرد شاهد متأخر على واقعٍ كُتب خارج نصوصه… ووقع قبل أن تكتمل أسئلته.
17/06/2026