تشهد المساجد في إسبانيا تحولاً متسارعاً في طبيعة الخطاب الديني، بعدما بدأت أعداد متزايدة منها تعتمد اللغة الإسبانية، كلياً أو جزئياً، في خطب الجمعة والدروس والأنشطة الدعوية، في خطوة تعكس التحولات العميقة التي طرأت على تركيبة الجالية المسلمة، وتستجيب لظهور أجيال وُلدت وترعرعت داخل المجتمع الإسباني، ولم تعد تتقن اللغة العربية الفصحى بالقدر الذي يتيح لها استيعاب مضمون الخطب التقليدية.
وتكشف معطيات ديموغرافية أن نحو 35 في المائة من المسلمين المقيمين في إسبانيا لا ينحدرون من بلدان عربية، ما يجعل شريحة واسعة منهم غير قادرة على فهم خطب الجمعة عندما تُلقى بالعربية فقط، رغم المكانة المركزية التي تحتلها العربية باعتبارها لغة القرآن الكريم والعبادات الإسلامية.
ويعكس هذا التحول مرحلة جديدة في مسار الإسلام بإسبانيا، بعدما كانت غالبية المساجد، التي أُسست منذ تسعينيات القرن الماضي بمبادرة من المهاجرين، ولا سيما المغاربة، تعتمد بشكل شبه كامل على أئمة قادمين من المغرب يلقون الخطب بالعربية، في ظل وجود جمهور كان يتقن اللغة ويجد فيها وسيلته الطبيعية لفهم المواعظ الدينية.
غير أن المشهد تغير بصورة لافتة خلال السنوات الأخيرة، مع تنامي التنوع داخل الجالية المسلمة بفعل تزايد أعداد القادمين من دول مثل باكستان والسنغال ونيجيريا، إلى جانب أبناء الجيلين الثاني والثالث من المغاربة المولودين في إسبانيا، الذين أصبحت الإسبانية بالنسبة إلى كثير منهم لغة الحياة اليومية والتعليم والتواصل، بينما تراجعت قدرتهم على فهم العربية الفصحى.
وفي هذا السياق، يرى مسؤولون عن عدد من المراكز الإسلامية أن استخدام الإسبانية لم يعد مجرد خيار تنظيمي، بل تحول إلى ضرورة دعوية لضمان وصول الرسالة الدينية إلى مختلف فئات المصلين، وتعزيز تفاعلهم مع مضامين الخطب، بما يرسخ حضور الإسلام داخل المجتمع الإسباني دون المساس بثوابته أو باللغة العربية التي تظل لغة القرآن والشعائر.
وفي المقابل، تواصل العديد من المساجد تنظيم مدارس قرآنية لتعليم الأطفال اللغة العربية وحفظ القرآن الكريم، إلا أن الإقبال عليها لم يعد بالمستويات التي عرفتها في العقود الماضية، بفعل تغير أنماط الحياة، وانشغال الأسر، وارتفاع تكاليف التعليم، إضافة إلى اعتماد عدد من العائلات على حصص التربية الإسلامية داخل المدارس العمومية والخاصة، التي توفر تعليماً أكثر انسجاماً مع البيئة التعليمية الإسبانية.
كما يبرز جيل جديد من الشباب المسلمين الذين يتحدثون داخل أسرهم باللهجة المغربية “الدارجة”، لكنهم يكتبونها بالحروف اللاتينية عبر وسائل التواصل الاجتماعي فيما يعرف بـ”العربيزي”، وهو مؤشر على اتساع المسافة اللغوية بينهم وبين العربية الفصحى، ويطرح تحديات إضافية أمام المؤسسات الدينية في كيفية إيصال الخطاب الإسلامي بلغة يفهمها هذا الجيل.
وتشير تقارير إعلامية إسبانية إلى أن عدداً من المساجد في مدن مثل الجزيرة الخضراء وغرناطة ومدريد ومالقة بات يعتمد خطباً ثنائية اللغة أو يوفر ترجمة فورية إلى الإسبانية، في محاولة للتوفيق بين الحفاظ على المرجعية الإسلامية ومخاطبة جيل جديد من المسلمين يبحث عن خطاب ديني أكثر ارتباطاً بواقعه الاجتماعي والثقافي.
ويرى متابعون أن هذه التحولات لا تمثل مجرد تغيير في لغة الخطبة، بل تعكس انتقال الجالية المسلمة في إسبانيا إلى مرحلة جديدة من الاستقرار والتجذر، قد تفضي مستقبلاً إلى بروز نموذج إسلامي إسباني يعتمد لغة المجتمع في الوعظ والتوجيه، مع الحفاظ على الثوابت الدينية والهوية الإسلامية، بما يعكس النضج المتزايد للجالية واتساع حضورها في المشهد العام الإسباني.
21/06/2026