في مشهد بالغ الرمزية والدلالة، خيّم الصمت والوقار على ثكنة غونزاليس تابلاس بسبتة المحتلة، خلال الاحتفال بالذكرى الـ115 لتأسيس القوات النظامية الإسبانية، حيث بدا أن “المشهد الرسمي” قد وجد لحظة ذروته في تلاوة سورة الفاتحة، التي خطفت الأضواء فجأة، وكأنها تفصيل بروتوكولي إضافي في عرض مُحكم الإخراج أكثر مما هي لحظة روحية عابرة، لكنها فرضت حضورها بثقل لا يمكن تجاهله داخل مراسم شديدة الانضباط.
وخلال حفل تكريم الجنود الذين لقوا حتفهم أثناء أداء واجبهم داخل هذه الوحدة، بدا المشهد وكأنه مُصمَّم بعناية لالتقاط أكبر قدر ممكن من “الهيبة”، حيث تعاقب ممثلون عن الديانتين المسيحية والإسلامية على أداء طقوسهم، في تناغم رسمي محسوب أكثر منه تلقائية روحية، وكأن الأمر يتعلق بتوزيع أدوار على خشبة مراسم لا تترك شيئاً للصدفة؛ إيمانٌ هنا، وإيمانٌ هناك، وبينهما بروتوكول صارم يضبط الإيقاع ويؤطر الذاكرة في قالب جاهز للاستهلاك الرمزي.
وبدأت المراسم بصلاة مسيحية ألقاها القس العسكري على أرواح الراحلين من أتباع الديانة المسيحية، قبل أن يتقدم ممثل عن الديانة الإسلامية لتلاوة سورة الفاتحة من القرآن الكريم، بينما خيّم الصمت على الحاضرين الذين وقفوا إجلالاً لذكرى من ارتبطت أسماؤهم بتاريخ هذه الوحدة العسكرية.
وتشير مصادر إعلامية محلية إلى أن هذا التقليد متجذر داخل صفوف القوات النظامية، خصوصاً في سبتة، حيث ارتبطت هذه الوحدة بصورة لافتة بفكرة التعايش بين الثقافات والأديان، باعتبارها جزءاً من الهوية الرمزية والتاريخية للمؤسسة.
ولم تكن لحظة تلاوة الفاتحة مجرد فقرة بروتوكولية ضمن مراسم عسكرية، بل بدت كرمز مكثف لمعنى أوسع يتجاوز الطقوس الشكلية، ليعكس خصوصية سبتة، المدينة التي تتقاطع فيها الهويات واللغات والمرجعيات الدينية، وتعيش منذ عقود على وقع تعقيدات موقعها الجغرافي والسياسي الحساس.
كما يعيد هذا المشهد إلى الواجهة حضور المغاربة المقيمين في الثغر المحتل، حيث انخرط عدد منهم تاريخياً في صفوف القوات النظامية، ضمن نسيج بشري متنوع ظل يشكل أحد أبرز ملامح هذه الوحدة العسكرية، التي جمعت بين خلفيات ثقافية ودينية متعددة داخل إطار واحد.
وأشارت التقارير ذاتها إلى أن ثكنة غونزاليس تابلاس عادت لتتحول إلى فضاء مفتوح على تلاقي الثقافات والديانات، في لحظة أرادت من خلالها القوات النظامية إبراز صورة الوحدة والتعايش داخل مؤسسة عسكرية ذات طابع تاريخي خاص.
وهكذا، وفي قلب ثكنة تحمل ذاكرة تمتد لأكثر من قرن، لم يكن صدى الفاتحة مجرد تلاوة عابرة، بل لحظة تختزل طبقات من التاريخ والرمزية؛ حيث امتزج الدعاء بالصمت العسكري، وتحول تكريم الراحلين إلى مشهد يروي سبتة بكل تناقضاتها العميقة: مدينة تتقاطع فيها الأديان، لكنها تظل محكومة بإرث تاريخي وسياسي معقد يثقل حاضرها وأسئلتها المؤجلة.
وفي السياق الأوسع، تعيد هذه المناسبة تسليط الضوء على خصوصية مدينة سبتة المحتلة، التي تعتبرها المملكة المغربية جزءاً من ترابها الوطني، في ظل استمرار المطالب التاريخية المغربية باسترجاع سبتة ومليلية، وهو ملف ظل حاضراً بقوة في العلاقات المغربية الإسبانية رغم تعاقب التحولات السياسية والدبلوماسية.
وتزداد رمزية المشهد بالنظر إلى البنية الاجتماعية والتاريخية للمدينة، حيث يعيش مغاربة سبتة واقعاً مركباً، بينهم من ارتبط تاريخياً بهذه الوحدات العسكرية، وفي مقدمتها القوات النظامية، التي تمثل أحد أبرز مكونات الذاكرة العسكرية للثغر المحتل.
وهنا تتقاطع الذاكرة العسكرية مع الجغرافيا والتاريخ، فبينما تسعى هذه المراسم إلى إبراز صورة التعايش بين الأديان والثقافات، يظل ملف السيادة على سبتة ومليلية حاضراً كأحد أقدم وأعمق الملفات العالقة في الوجدان المغربي.
30/06/2026