لم تعد قضية مركب الصيد الساحلي “بوتغروشت 2” مجرد حادثة عابرة في عرض البحر، بل تحولت إلى ملف أمني وقضائي عابر للحدود، تتشابك فيه خيوط الهجرة غير النظامية، والسرقة الموصوفة، والتنسيق الدبلوماسي بين الرباط ومدريد، في تطور يضع المتورطين أمام مسار قضائي قد يكون بالغ التعقيد.
وكشفت مصادر مطلعة أن السلطات الإسبانية قررت إحالة ثلاثة مشتبه في تورطهم في الاستيلاء على المركب إلى القضاء في حالة اعتقال، للاشتباه في ضلوعهم في جرائم مرتبطة بتهريب البشر والسرقة، في خطوة تؤشر على انتقال الملف من مرحلة البحث والتحقيق إلى مرحلة المحاسبة القضائية.
وعقب هذا القرار، تحركت مؤسسات الدولة المغربية بسرعة لافتة، حيث جرى، وفق المعطيات المتوفرة، تفعيل تنسيق متعدد المستويات بين كتابة الدولة المكلفة بالصيد البحري ووزارتي الداخلية والشؤون الخارجية، قبل أن تنخرط في الملف كل من سفارة المملكة المغربية بمدريد والقنصلية العامة بجزر الكناري، في إطار تعاون وثيق مع السلطات الإسبانية، مستند إلى متانة العلاقات الثنائية وآليات التعاون القائمة بين البلدين.
وفي الوقت الذي يواجه فيه ثلاثة مشتبه فيهم المتابعة القضائية، ما يزال تسعة أشخاص آخرون رهن الإجراءات القانونية بإسبانيا، وسط مساعٍ مغربية لاستكمال مساطر ترحيلهم، بينما تشير المصادر إلى أن طبيعة التهم الموجهة إلى الموقوفين قد تعرضهم لعقوبات صارمة، بالنظر إلى تشدد القضاء الإسباني في التعامل مع جرائم تهريب البشر وما يرتبط بها من أفعال جنائية.
ولم تقف تداعيات القضية عند الحدود الإسبانية، بل امتدت إلى المغرب، حيث شهدت مدينة أكادير اجتماعات أمنية مكثفة تحت إشراف والي جهة سوس ماسة، انتهت إلى اعتماد إجراءات استثنائية لتشديد المراقبة داخل الميناء، أبرزها إحداث لجنة لليقظة والمراقبة تتولى تتبع حركة المراكب، مع فرض ترخيص مسبق لأي تحرك بحري، في خطوة تعكس حجم القلق الذي أثارته الواقعة داخل القطاع.
كما باشر مجهز المركب مساطر استرجاع سفينته من أحد موانئ جزر الكناري، حيث لا تزال راسية بعد قطرها من عرض البحر، غير أن استعادتها تظل رهينة باستكمال عدد من الإجراءات القانونية والإدارية، وتسوية الرسوم والمصاريف المرتبطة بعملية القطر والرسو والصيانة.
وبذلك، لم تعد قضية “بوتغروشت 2” مجرد ملف يتعلق بمركب مفقود، بل أصبحت اختبارًا حقيقيًا لفعالية التعاون الأمني والقضائي بين المغرب وإسبانيا، ودافعًا لإعادة النظر في منظومة حماية الموانئ والاستثمارات البحرية.
غير أن الستار لم يُسدل بعد، فما جرى لم يكن سوى الفصل الأول من قضية لا تزال أمواج البحر تخفي كثيرًا من تفاصيلها. وبين زنازين التحقيق، وملفات القضاء، وأرصفة الموانئ المشددة بالحراسة، تتواصل خيوط الملف في اتجاه تطورات قد تكون أكثر تعقيدًا. وكل قرار قضائي جديد قد يكشف معطيات من شأنها أن تعيد رسم مسار القضية، فيما تظل الأنظار معلقة على ما ستسفر عنه التحقيقات خلال المرحلة المقبلة.
04/07/2026