kawalisrif@hotmail.com

حين انتصرت السياسة على البحر.. جبل طارق يقطع آخر جسر بحري مع المغرب ويطوي صفحة من تاريخ المضيق

حين انتصرت السياسة على البحر.. جبل طارق يقطع آخر جسر بحري مع المغرب ويطوي صفحة من تاريخ المضيق

طوى جبل طارق صفحة امتدت لعقود في علاقته البحرية المباشرة مع المغرب، بعدما قررت سلطاته إنهاء خدمة العبارات المنتظمة التي كانت تربط الصخرة بالسواحل المغربية، في خطوة تحمل أبعادًا سياسية وحدودية تتجاوز الاعتبارات التجارية، وتأتي في سياق دخول الاتفاق الجديد بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي بشأن جبل طارق حيز التطبيق المؤقت ابتداءً من 15 يوليوز الجاري.

وأكدت حكومة جبل طارق أن إنهاء الخط البحري يأتي نتيجة مباشرة للترتيبات الحدودية الجديدة المنبثقة عن الاتفاق البريطاني الأوروبي، والتي تهدف إلى تفادي إقامة نقطة دائمة لمراقبة الحدود داخل ميناء جبل طارق من طرف عناصر الشرطة الوطنية الإسبانية لتطبيق قواعد فضاء “شنغن”.

وكان رئيس حكومة جبل طارق، فابيان بيكاردو، قد أوضح في وقت سابق أن استمرار تشغيل خط بحري منتظم مع المغرب كان سيُلزم سلطات الصخرة بالسماح بوجود دائم للشرطة الإسبانية داخل الميناء، وهو ما اعتبرته حكومته خيارًا غير مقبول، ليُحسم الملف بإلغاء أي تراخيص مستقبلية لتسيير خطوط منتظمة لنقل المسافرين عبر الميناء.

وبموجب النظام الحدودي الجديد، ستتركز جميع عمليات مراقبة الدخول إلى فضاء “شنغن” في مطار جبل طارق، حيث سيخضع القادمون جوًا، إلى جانب الوافدين بحرًا عبر السفن التجارية أو ضمن عمليات تبديل أطقم الملاحة، لإجراءات المراقبة الحدودية، فيما لن تتأثر السفن السياحية، باعتبار أن مراقبة ركابها تتم في موانئ الانطلاق والوصول.

وبررت سلطات جبل طارق القرار أيضًا باعتبارات اقتصادية، مؤكدة أن الخط البحري لم يعد يتمتع بالجدوى التجارية، في ظل تفضيل أغلب المسافرين استخدام مينائي الجزيرة الخضراء وطريفة الإسبانيين، اللذين يوفران رحلات يومية متعددة نحو الموانئ المغربية. في المقابل، ظل خط جبل طارق يعتمد على الدعم العمومي، ويستفيد منه أساسًا أفراد الجالية المغربية المقيمة في الصخرة، ولا سيما الذين لا يتوفرون على جوازات سفر بريطانية أو تأشيرات تخول لهم العبور عبر الأراضي الإسبانية.

ويمثل القرار نهاية خدمة وفرت، منذ سنة 2005، رحلات منتظمة بين جبل طارق والمغرب عبر شركة FRS قبل انتقال تشغيلها إلى شركة DFDS، بعدما استؤنفت سنة 2022 عقب توقفها خلال جائحة كوفيد-19. غير أن جذور هذا الربط البحري تعود إلى خمسينيات القرن الماضي، ما يجعل هذا الخط أحد أقدم جسور التواصل الإنساني عبر مضيق جبل طارق.

ورغم إنهاء الخدمة، شددت حكومة جبل طارق على أن القرار لا يعكس أي فتور في العلاقات مع المغرب، ووصفت توقف الخط بأنه “نهاية فصل مهم” في تاريخ العلاقة بين الجانبين، مؤكدة أن الجالية المغربية كانت ولا تزال ركيزة أساسية في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للصخرة.

وفي رسالة حملت الكثير من الرمزية، أكد وزير العلاقات مع المغرب، جون كورتيس، أن العبّارة “لم تكن مجرد وسيلة نقل، بل كانت جزءًا من الحياة اليومية لآلاف العائلات”، فيما شدد رئيس الحكومة، فابيان بيكاردو، على أن روابط الصداقة التي تجمع المغرب وجبل طارق ستظل راسخة، رغم إسدال الستار على آخر خط بحري منتظم بين الضفتين.

ولا يمثل هذا القرار مجرد إلغاء لخط ملاحي، بل يعكس التحولات العميقة التي فرضها الاتفاق الجديد بشأن جبل طارق، والذي يعيد رسم خريطة التنقل والرقابة الحدودية في المنطقة، ويُنهي مرحلة تاريخية ظلت خلالها العبّارة البحرية رمزًا للتواصل الإنساني والاقتصادي بين المغرب والصخرة.

وكأن مضيق جبل طارق يكتب فصلًا جديدًا من تاريخه؛ فالمعبر الذي عبرته الجيوش والتجار والمسافرون على مر القرون، وتحول إلى رمز للتواصل بين الضفتين، يفقد اليوم آخر خطوطه البحرية المنتظمة مع المغرب. وإذا كان اسم طارق بن زياد قد ارتبط بهذا المضيق بوصفه بوابة لعبور غيّر مجرى التاريخ، فإن الاتفاقات السياسية المعاصرة ترسم اليوم واقعًا جديدًا للحركة والتنقل، لتُطوى صفحة ظل فيها البحر جسرًا للتقارب، ويغدو شاهدًا على نهاية رحلة تاريخية، لا على بداية أخرى.

04/07/2026

مقالات خاصة

Related Posts