تأسس الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) سنة 1904 في باريس، في سياق رياضي بسيط كان هدفه الأساسي توحيد قوانين اللعبة وتنظيم المباريات الدولية بين الاتحادات الوطنية. وقد صُمم منذ البداية كهيئة تنسيقية لا تهدف إلى الربح، وهو ما منحه لاحقًا صفة قانونية باعتباره منظمة خاصة غير ربحية.
لكن هذا التعريف التاريخي يبدو اليوم بعيدًا جدًا عن واقع المؤسسة، التي تحولت خلال عقود إلى واحدة من أقوى الكيانات الاقتصادية في عالم الرياضة، تدير تدفقات مالية بمليارات الدولارات وتتحكم في اقتصاد كرة القدم العالمية من قمته إلى قاعدته.
ومع مرور أكثر من 120 عامًا على تأسيسها، ما تزال الفيفا تتمسك رسميًا بوضعها القانوني كمنظمة غير ربحية، أي أنها لا توزع الأرباح على المساهمين، بل يُفترض أن تعيد استثمار عائداتها في تطوير اللعبة عالميًا. غير أن هذا الإطار القانوني لم يعد يعكس حجم النفوذ الاقتصادي الحقيقي، حيث باتت الفيفا أقرب إلى “إمبراطورية مالية رياضية” تدور حول حدث واحد هو كأس العالم.
وتشير التقديرات المالية إلى أن الاتحاد الدولي، الذي يقوده جياني إنفانتينو، يتجه نحو تحقيق إيرادات تقارب 13 مليار يورو خلال دورة 2023–2026، بارتفاع يناهز 72% مقارنة بالدورات السابقة، في طفرة غير مسبوقة ترتبط بشكل شبه كامل بعائدات كأس العالم.
وتظل نسخة 2026، التي ستستضيفها الولايات المتحدة والمكسيك وكندا، القلب النابض لهذا النمو المالي، إذ تمثل وحدها نحو ثلثي المداخيل الإجمالية، عبر مزيج ضخم من حقوق البث التلفزيوني، عقود الرعاية العالمية، التسويق التجاري، وبيع التذاكر.
ويرى خبراء الاقتصاد الرياضي أن الفيفا أصبحت تعتمد بشكل مقلق على “منتج واحد” فقط: كأس العالم، الذي يُعيد تشكيل ميزانيتها كل أربع سنوات، ويحوّل المنظمة إلى كيان اقتصادي شديد الحساسية لدورة المونديال، حيث تتضخم الإيرادات بشكل هائل في سنوات البطولة ثم تعود إلى الانكماش النسبي بعدها.
وفي هذا السياق، يأتي قرار توسيع البطولة من 32 إلى 48 منتخبًا كخطوة استراتيجية لا تخلو من منطق اقتصادي واضح، إذ يفتح الباب أمام عدد أكبر من المباريات، مزيد من الحقوق التلفزيونية، وتوسع قاعدة الرعاة، دون زيادة متوازية في التكاليف التشغيلية، ما يعزز نموذج “التوسع الربحي” في صناعة كرة القدم العالمية.
لكن خلف هذا الصعود المالي الصاروخي، تتصاعد في المقابل تساؤلات حادة حول طبيعة الفيفا نفسها: هل ما تزال مجرد منظمة رياضية غير ربحية كما يُعرّفها القانون؟ أم أنها تحولت فعليًا إلى عملاق اقتصادي عابر للحدود، يدير واحدة من أكثر الصناعات الترفيهية ربحية وتأثيرًا في العالم، حيث تختلط الرياضة بالسياسة، واللعبة بالمال، والكرة بالسلطة؟
05/07/2026