لم يعد النقاش المرتبط بتدبير المجلس الإقليمي للناظور مجرد اختلاف في وجهات النظر حول بعض القرارات أو المشاريع، بل أصبح يطرح أسئلة أوسع حول كيفية تدبير المال العام، ومدى احترام الاختصاصات القانونية، ونجاعة البرامج والصفقات التي يتم تمويلها من ميزانية المجلس.
فالمجلس الإقليمي للناظور، باعتباره مؤسسة منتخبة تضطلع بأدوار تنموية واجتماعية مهمة، مطالب اليوم أكثر من أي وقت مضى بإرساء نموذج تدبير يقوم على الوضوح والدقة وربط المسؤولية بالمحاسبة، خاصة في ظل تعدد الملفات التي تستوجب تقييمًا موضوعيًا يضع المصلحة العامة فوق كل اعتبار.
إن الحاجة أصبحت ملحة إلى إخضاع مختلف الصفقات والاتفاقيات والمشاريع التي يشرف عليها المجلس لافتحاص شامل ومستقل، لا يقتصر فقط على الجانب المالي أو الإداري، بل يمتد إلى تقييم مدى احترام الاختصاصات القانونية، وطريقة إعداد المشاريع، وجودة الإنجاز، وحقيقة النتائج المحققة على أرض الواقع.
وفي هذا الإطار، تبرز أهمية الاستعانة بخبراء ومتخصصين في الصفقات العمومية والهندسة المالية والتدقيق الإداري، لأن تقييم سلامة المساطر أو رصد مكامن الخلل لا ينبغي أن يخضع للانطباعات أو التجاذبات المصلحية ، وإنما يحتاج إلى خبرة تقنية قادرة على تحليل الوثائق، وتتبع مراحل الإنجاز، ودعم الجمعيات ، وتحديد المسؤوليات عند وجود أي ملاحظات.
كما أن أي عملية افتحاص جادة لا ينبغي أن تبقى حبيسة الملفات والوثائق الإدارية، بل يتعين أن تشمل الاستماع إلى المستفيدين الحقيقيين من المشاريع والبرامج الاجتماعية التي يمولها المجلس الإقليمي للناظور، سواء تعلق الأمر بالجمعيات أو الفئات المستفيدة أو الشركاء، للوقوف على مدى تحقيق هذه المبادرات لأهدافها، وجودة الخدمات المقدمة، والأثر الفعلي الذي تركته على حياة المواطنين.
ويظل احترام الاختصاصات القانونية وترتيب الأولويات التنموية من أبرز التحديات المطروحة، إذ إن دور المجلس الإقليمي يفرض توجيه الإمكانيات المتاحة نحو المشاريع الأكثر ارتباطًا بحاجيات الساكنة، وتجنب أي تدبير قد يؤدي إلى صرف الموارد في مبادرات لا تحقق الأثر المنتظر ، كما حصل في العديد منها ، مقارنة بقطاعات اجتماعية وخدمات أساسية تحتاج إلى تدخل مستمر.
كما أن تقييم أداء رئيس المجلس الحالي الذي يرأس المجلس الإقليمي منذ أربعة ولايات ، لا يمكن أن يتم بمعزل عن الدروس المستخلصة من التجارب السابقة، خاصة ما ارتبط بطريقة تدبير المجالس المنتخبة خلال مراحل سابقة، حين أثيرت ملاحظات وانتقادات حول بعض الجوانب المتعلقة باحترام القوانين والمساطر المنظمة للعمل المؤسساتي.
وفي هذا السياق، فإن الاستفادة من الملاحظات التي سبق أن قدمها بعض الفاعلين القانونيين، ومن ضمنهم المحامي السابق للمجلس الإقليمي وأعضاء ، تظل خطوة مهمة لتفادي تكرار الإشكالات نفسها، وترسيخ ثقافة الوقاية والتصحيح قبل تحول الملاحظات إلى اختلالات.
فالتنبيه إلى أهمية احترام المساطر، ودقة إعداد الاتفاقيات، وضبط القرارات المتخذة داخل الإطار القانوني، ينبغي أن يشكل فرصة لتقوية أداء المؤسسة المنتخبة، وليس مجرد نقاش ظرفي. كما أن تمكين أعضاء المجلس من المعطيات القانونية والتقنية الكافية، وإشراكهم في فهم مختلف الجوانب المرتبطة بالقرارات المتخذة، يبقى عنصرًا أساسيًا لحمايتهم وضمان ممارسة مهامهم في ظروف واضحة ومسؤولة.
إن الحكامة الجيدة لا تقاس بعدد المشاريع المعلنة، وإنما بمدى نجاعتها وشفافية تدبيرها وقدرتها على تحقيق أثر ملموس لفائدة المواطنين. لذلك فإن افتحاصًا شاملًا لتدبير المجلس الإقليمي للناظور يمكن أن يشكل آلية لتعزيز الثقة، وتصحيح المسار، وضمان توجيه المال العام نحو التنمية الحقيقية.
فالمال العام أمانة تتطلب مراقبة دقيقة، وخبرة متخصصة، واستماعًا فعليًا للمستفيدين، حتى يكون تقييم الأداء مبنيًا على النتائج وليس على الخطابات، وحتى يظل المجلس الإقليمي للناظور مؤسسة في خدمة التنمية ومصالح ساكنة الإقليم.
07/07/2026