kawalisrif@hotmail.com

الدريوش :    وثيقة من الرباط … حزب السنبلة يتراجع رسميًا عن متابعة إسقاط العضوية ، والعامل يوقع قرار العزل ويخرق القانون !

الدريوش : وثيقة من الرباط … حزب السنبلة يتراجع رسميًا عن متابعة إسقاط العضوية ، والعامل يوقع قرار العزل ويخرق القانون !

في مشهد يكاد يكون من غرائب الممارسة السياسية والإدارية، وجد إقليم الدريوش نفسه أمام واقعة تطرح أكثر من سؤال، وتضع أكثر من علامة استفهام. فبينما قرر حزب الحركة الشعبية، بصفته صاحب الدعوى الأصلية، التراجع رسميًا عن متابعة إجراءات تنفيذ الحكم القاضي بإسقاط عضوية تسعة منتخبين بجماعة بن الطيب، صدر قرار عن عامل الإقليم يقضي بعزلهم، وكأن شيئًا لم يتغير، وكأن المراسلات الرسمية لم تغادر مكاتب أصحابها.

بدأت القصة بخلافات تنظيمية داخل الحزب، انتهت برفع دعوى قضائية للمطالبة بإسقاط عضوية منتخبين ينتمون إليه. وبعد أن أخذ الملف مساره أمام القضاء، حدث تحول لم يكن في الحسبان، إذ اختارت القيادة المركزية للحزب طي صفحة الخلاف، ووجّه الأمين العام مراسلة رسمية إلى محامي الحزب يعلن فيها التنازل عن متابعة إجراءات تنفيذ الحكم النهائي، مع تكليفه باتخاذ جميع الإجراءات القانونية اللازمة أمام المحكمة الإدارية للتصريح بهذا التنازل وإنهاء مسطرة التنفيذ.

بمعنى أوضح، فإن الجهة التي رفعت الدعوى أعلنت بنفسها أنها لم تعد راغبة في متابعة تنفيذها، وهو ما يبدو، من الناحية المنطقية على الأقل، كافيًا لطرح سؤال بسيط: إذا كان صاحب الدعوى قد غادر المعركة، فمن الذي بقي يقاتل؟

لكن المفاجأة كانت أكبر من كل التوقعات. فبدل أن يُطوى الملف، صدر قرار عامل إقليم الدريوش يومه الثلاثاء 28 يوليوز الجاري، بعزل المنتخبين التسعة، لتتحول القضية من خلاف حزبي إلى جدل قانوني وإداري مفتوح، عنوانه العريض: هل أصبحت إرادة الحزب، وهو الطرف الذي بادر إلى تحريك المسطرة، بلا أثر بعد أن غيّر موقفه؟

الوثائق لا تتحدث عن تأويلات أو تسريبات أو مواقف إعلامية، بل عن مراسلات رسمية تطلب صراحة التنازل عن متابعة إجراءات التنفيذ. كما تشير المعطيات إلى أن القاضي المكلف بالتنفيذ، إلى جانب المحكمة الإدارية المختصة، توصلا بطلب رسمي يرمي إلى توقيف إجراءات التنفيذ. ومع ذلك، سارت الأمور في اتجاه آخر، وهو ما يطرح تساؤلات مشروعة حول الأساس القانوني الذي استند إليه قرار العزل، وحول مدى تأثير هذا التنازل على مسطرة التنفيذ، وهي أسئلة قد يكون الفصل فيها من اختصاص القضاء إذا عُرض عليه النزاع.

المفارقة أن هذا الملف أصبح أشبه باختبار عملي للعلاقة بين الأحزاب والإدارة والقضاء. فإذا كان الحزب يملك حق اللجوء إلى القضاء دفاعًا عن مواقفه التنظيمية، فهل يفقد، في المقابل، حق التراجع عن تلك المواقف عندما يقرر ذلك وفق ما يسمح به القانون؟ أم أن عجلة التنفيذ، بمجرد أن تدور، لا تعود تسمع حتى لصاحبها؟

قد تكون هناك مبررات قانونية استندت إليها الإدارة في إصدار قرارها، وقد تكون لها قراءة مختلفة للنصوص، لكن الثابت اليوم أن الرأي العام يقف أمام وثائق رسمية تقول شيئًا، بينما يبدو أن مسار التنفيذ سار في اتجاه آخر. وبين الوثائق والقرار، تتسع مساحة الأسئلة، بينما تضيق مساحة الأجوبة.

ولا تعيش مدينة بن الطيب اليوم مجرد خلاف حول تسعة منتخبين، بل تعيش جدلًا حول حدود التقاء السياسة بالقانون والإدارة. وإذا كان القضاء سيقول كلمته في النهاية، فإن هذا الملف سيظل يلاحق كل من يعنيه الأمر بسؤال واحد: عندما يتراجع صاحب الدعوى عن متابعة تنفيذها، كيف تستمر مسطرة التنفيذ؟ وهل يصبح التنازل مجرد إجراء لا يترتب عنه أي أثر عملي؟

لكن أخطر ما في هذا الملف ليس قرار العزل، بل ما قد تكشفه الوثائق إذا وُضعت جميعها أمام القضاء. فإذا كان الحزب، بصفته صاحب الدعوى، قد أعلن رسميًا سحب يده من مسطرة التنفيذ، وإذا كان القاضي المكلف بالتنفيذ والمحكمة الإدارية المختصة قد توصلا بطلب رسمي يقضي بتوقيف التنفيذ، فإن السؤال الذي سيظل معلقًا هو: لماذا استمرت المسطرة؟ وعلى أي أساس قانوني؟ وهل كانت تلك المراسلات مجرد حبر على ورق، أم أن هناك قراءة قانونية أخرى ستكشفها الأيام المقبلة؟ إلى أن تتضح الصورة، سيبقى المشهد في الدريوش مثيرًا للاستغراب: وثائق رسمية تطلب وقف التنفيذ… وقرار إداري يمضي في العزل. وبين الأمرين، قد تكمن كل أسرار هذه القضية، وقد تبدأ منها فصول معركة قضائية قد تعيد رسم ملامح هذا الملف من جديد.

28/07/2026

مقالات خاصة

Related Posts