في مقال اختار له عنواناً مثيراً من قبيل «المغرب يدفع الملايين للفوز بمعركة النفوذ ضد إسبانيا في واشنطن»، حاولت صحيفة «دياريو سور» الإسبانية أن تقدم نشاط المغرب الدبلوماسي والعلاقات العامة في الولايات المتحدة وكأنه عملية سرية لتطويق إسبانيا وإسقاطها من حسابات واشنطن. غير أن القراءة الهادئة لما ورد في المقال تكشف مفارقة لافتة: الصحيفة لا تعرض فضيحة مالية، ولا تتحدث عن أموال غير قانونية، بل تسرد عقوداً وتصريحات مالية لشركات ضغط وعلاقات عامة مسجلة، ثم تبني فوقها رواية سياسية ضخمة عنوانها «المعركة ضد إسبانيا».
المقال يتحدث عن ما لا يقل عن 2.1 مليون دولار من المدفوعات والعقود المعلنة منذ يناير 2025، بينها 940 ألف دولار جرى دفعها فعلياً، و1.2 مليون دولار تمثل القيمة المتوقعة لعقدين. كما يشير إلى شركة «ThirdCircle» التي أعلنت عن تلقيها مبالغ مقابل تقديم الاستشارات والترويج للمغرب أمام مسؤولين أمريكيين، وتنظيم زيارات لوفود، والمساعدة في جذب الاستثمارات والإنتاجات السينمائية. وهذه، في حد ذاتها، ليست اكتشافاً مذهلاً؛ فالدول، بما فيها الدول الأوروبية، تستعين منذ عقود بشركات العلاقات العامة والضغط السياسي للتعريف بمصالحها والتأثير في دوائر صنع القرار.
المفارقة الأكثر إثارة في المقال أن مجرد قيام المغرب بالدفاع عن مصالحه في واشنطن يُقدَّم باعتباره «هجوماً» على إسبانيا، وكأن المملكة مطالبة بأن تترك الساحة الأمريكية فارغة حتى تتحرك مدريد وحدها وتشرح للأمريكيين كيف ينبغي أن ينظروا إلى المغرب. فحين تستثمر الرباط في علاقاتها الدولية يصبح الأمر «لوبي» و«معركة نفوذ»، بينما حين تتحرك الدول الغربية بنفس الأدوات تتحول المسألة إلى دبلوماسية عامة وعلاقات استراتيجية وتواصل دولي. إنها ازدواجية في المصطلحات أكثر منها تحقيقاً صحفياً في الوقائع.
الأكثر غرابة أن المقال نفسه يعترف بأن المغرب يشتغل منذ سنوات على بناء علاقات مع مختلف مستويات الإدارة الأمريكية، في حين يقر بأن إسبانيا لم تطور حملة تأثير مماثلة في واشنطن، واكتفت، بحسب الصحيفة، بالدبلوماسية التقليدية عبر سفارتها. وهنا يبرز السؤال الذي تهرب منه المقالة: إذا كانت مدريد تعتقد أن لديها قضية قوية بشأن سبتة ومليلية والهجرة والعلاقات مع المغرب، فلماذا لم تستثمر هي الأخرى في شرح موقفها داخل المؤسسات الأمريكية؟ وهل المطلوب من الرباط أن تتخلى عن أدوات السياسة الدولية حتى لا تشعر الدبلوماسية الإسبانية بالحرج؟
أما الربط بين هذه العقود وبين أزمة الهجرة في سبتة، فيبدو أكثر هشاشة مما يوحي به العنوان. فالمقال ينتقل من الحديث عن عقود علاقات عامة واستشارات إلى الإيحاء بأن الموقف الأمريكي من أزمة سبتة كان نتيجة مباشرة للاستثمار المغربي في واشنطن. لكن وجود علاقات واتصالات سياسية لا يعني تلقائياً أن كل موقف أمريكي صُنع داخل مكتب شركة ضغط. السياسة الخارجية الأمريكية أعقد بكثير من هذه المعادلة المبسطة، وتتداخل فيها المصالح الأمنية والاستراتيجية والعسكرية والاقتصادية والإقليمية.
ثم تأتي العبارة الأكثر استفزازاً عندما تصف الصحيفة إسبانيا بأنها «البلد الذي تم غزوه»، في إشارة إلى دخول أعداد كبيرة من المهاجرين إلى سبتة. هنا يتخلى المقال تدريجياً عن لغة التحليل ليدخل في لغة سياسية مشحونة، وكأن الصحيفة لا تكتفي بوصف أزمة حدودية وإنسانية وأمنية، بل تريد تثبيت صورة المغرب باعتباره الطرف المعتدي وإسبانيا باعتبارها الضحية المطلقة. والحال أن ملف الهجرة بين البلدين أكثر تعقيداً من اختزاله في صورة واحدة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بحدود وضعها التاريخي والسياسي محل خلاف.
والأدهى أن الصحيفة تبدو وكأنها اكتشفت فجأة أن المغرب يعرف كيف يدافع عن مصالحه. الرباط لم تبدأ العمل في واشنطن مع عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، بل راكمت خلال سنوات شبكة من العلاقات السياسية والاستراتيجية والاقتصادية. وإذا كان بعض هذه العلاقات يمر عبر شركات استشارية أو علاقات عامة، فهذا جزء معروف من أدوات العمل الدبلوماسي الحديث، ولا يصبح فضيحة لمجرد أن الدولة المعنية هي المغرب.
أما المقارنة مع إسبانيا، فهي في الحقيقة تكشف ضعفاً في الأداء الإسباني أكثر مما تكشف قوة مغربية استثنائية. فإذا كانت مدريد تعترف بأنها لم تستثمر بما يكفي في أدوات التأثير داخل واشنطن، فالمشكلة ليست أن الرباط «دفعت الملايين»، بل أن مدريد لم تفعل ما يكفي للدفاع عن روايتها. وفي السياسة الدولية، لا تُمنح النقاط لمن يشتكي أكثر، وإنما لمن يعرف كيف يبني التحالفات ويشرح مصالحه ويقنع شركاءه.
ومن اللافت أيضاً أن المقال يضع عنواناً يوحي بأن المغرب يخوض «معركة نفوذ ضد إسبانيا»، بينما التفاصيل التي يسوقها تتحدث عن الترويج للمغرب، وجذب الاستثمارات، وتنظيم الوفود، وبناء العلاقات مع المسؤولين الأمريكيين. أي أن العنوان يذهب في اتجاه، بينما جزء مهم من التفاصيل يذهب في اتجاه آخر. وهذه ليست مشكلة صغيرة، لأن العنوان هو الذي يصنع الانطباع الأول لدى القارئ، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بملف حساس مثل المغرب وسبتة ومليلية والهجرة.
المشكلة الحقيقية، إذن، ليست في أن المغرب ينفق على تحسين صورته أو الدفاع عن مصالحه في واشنطن؛ فهذا حق مشروع لكل دولة. المشكلة في أن بعض المنابر الإسبانية لا تزال تتعامل مع المغرب بمنطق الجار الذي يجب أن يبقى داخل الصورة التي ترسمها مدريد له. فإذا تحركت الرباط اقتصادياً، أصبحت «تتوسع». وإذا تحركت دبلوماسياً، أصبحت «تضغط». وإذا بنت علاقات مع واشنطن، أصبحت «تشتري النفوذ». وإذا نجحت في إقناع شركائها بمواقفها، تحولت النتيجة إلى مؤامرة.
ولعل أكثر ما يكشفه المقال ليس حجم الأموال التي دفعتها الرباط، بل حجم القلق الذي أصبح يرافق صعود الحضور المغربي في دوائر القرار الأمريكية. فالمغرب لم يعد مجرد ملف جغرافي على الضفة الجنوبية للمتوسط بالنسبة إلى واشنطن، بل شريك في قضايا متعددة تشمل الأمن ومكافحة الإرهاب والاستثمار والاستقرار الإقليمي والعلاقات مع إفريقيا والشرق الأوسط. ومن الطبيعي أن تسعى الرباط إلى استثمار هذه المكانة وتوسيعها، تماماً كما تفعل دول كثيرة.
وفي النهاية، يمكن لمدريد أن تنتقد، ويمكن للصحافة الإسبانية أن تحقق، ويمكن للسياسيين الإسبان أن يدافعوا عن مواقفهم بشأن سبتة ومليلية والهجرة. لكن تحويل كل نشاط دبلوماسي مغربي في واشنطن إلى «شراء للنفوذ» لا يقدم للقارئ تفسيراً جدياً، بقدر ما يقدم له مرآة تعكس ارتباكاً إسبانياً أمام حقيقة بسيطة: المغرب لم يعد ينتظر أن يتحدث الآخرون باسمه، ولم يعد مستعداً لترك ساحات التأثير الدولية حكراً على خصومه.
باختصار، يبدو أن «الملايين» التي أثارت حفيظة «دياريو سور» ليست هي القصة كلها. القصة الأهم أن الرباط فهمت منذ وقت مبكر أن الدبلوماسية في القرن الحادي والعشرين لا تُدار فقط خلف أبواب السفارات، وأن واشنطن لا تسمع صوتاً واحداً. وإذا كانت مدريد قد اكتشفت متأخرة أن المغرب يعرف كيف يخاطب واشنطن بلغتها، فهذه ليست هزيمة مغربية لإسبانيا، بل فاتورة تأخر إسباني في فهم قواعد اللعبة الجديدة.
06/08/2026