في الوقت الذي كان فيه عدد من الشباب يبحثون عن منفذ للخروج من واقع اجتماعي واقتصادي صعب، وجد بعضهم أنفسهم أمام أبواب المحاكم، في مسار قضائي تقول الجمعية المغربية لحقوق الإنسان – فرع الناظور إنه يثير أكثر من سؤال حول ضمانات الحق في الدفاع وشروط المحاكمة العادلة.
وفي بيان للرأي العام، صعّد فرع الجمعية المغربية لحقوق الإنسان بالناظور لهجته بشأن ملف الشباب المتابعين على خلفية أحداث ومحاولات العبور نحو مليلية المحتلة، مؤكداً أنه يواصل تتبع أطوار محاكماتهم منذ انطلاقها، سواء أمام المحكمة الابتدائية أو خلال المرحلة الاستئنافية.
وبحسب المعطيات التي أوردها الفرع، فقد أصدرت محكمة الاستئناف بالناظور، خلال جلسات عقدت أيام 8 و15 و22 شتنبر 2026، أحكامها الاستئنافية في حق 47 معتقلاً موزعين على ست مجموعات، مشيراً إلى أن الأحكام الاستئنافية أيدت الأحكام الابتدائية الصادرة في حقهم.
غير أن القضية لم تتوقف عند مضمون الأحكام، إذ أثار الفرع مسألة غياب هيئة الدفاع خلال بعض مراحل المحاكمة، معتبراً أن ذلك أدى إلى تأجيل جلسات عدد من المتابعين الذين يواجهون قضايا جنائية وهم رهن الاعتقال، في وقت يفترض فيه أن يشكل حضور الدفاع وضمان ممارسة حقوق المتهمين جزءاً أساسياً من شروط المحاكمة العادلة.
ويرى فرع الجمعية أن إصدار أحكام في غياب هيئة الدفاع، وفق المعطيات التي أوردها، يطرح إشكالات مرتبطة بضمانات الدفاع، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بأشخاص مهددين بعقوبات سالبة للحرية. ويشدد على أن الحق في الدفاع ليس إجراءً شكلياً يمكن تجاوزه، بل ضمانة أساسية من ضمانات المحاكمة العادلة في مختلف مراحل الدعوى.
والأرقام التي قدمها الفرع تفتح بدورها باباً آخر للنقاش، إذ يؤكد أن 47 معتقلاً لا يمثلون بالضرورة العدد الكامل للشباب الذين تمت متابعتهم أو اعتقالهم على خلفية هذه الأحداث، مرجحاً أن يكون عدد الأشخاص المعنيين بالملف أكبر، بالنظر إلى تعدد الحالات والمسارات القضائية المرتبطة بمحاولات العبور نحو مليلية المحتلة.
وفي خلفية هذه المحاكمات، تطرح الجمعية سؤالاً أوسع: هل تكفي المتابعات والاعتقالات والأحكام لمعالجة ظاهرة الهجرة ومحاولات العبور، أم أن استمرار المقاربة الأمنية والقضائية، من دون معالجة الأسباب الاجتماعية والاقتصادية التي تدفع بعض الشباب إلى المخاطرة من أجل الوصول إلى الضفة الأخرى، لا يؤدي سوى إلى إعادة إنتاج الأزمة؟
ويرى فرع الجمعية المغربية لحقوق الإنسان بالناظور أن المقاربة لا ينبغي أن تقتصر على الجانب الزجري، منتقداً استمرار الاعتقال والمتابعة في حق هؤلاء الشباب، وداعياً في المقابل إلى معالجة الأسباب التي تدفع إلى الهجرة، من خلال تحسين الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، وتوفير فرص الشغل، وضمان شروط العيش الكريم، ومواجهة التهميش والإقصاء، بدل الاكتفاء بالمقاربة الأمنية والزجرية.
وتأتي هذه المواقف في سياق أوسع سبق أن عبّرت فيه الجمعية المغربية لحقوق الإنسان عن انتقادات لطريقة تدبير أحداث سبتة ومليلية خلال يوليوز 2026، معتبرة، من وجهة نظرها، أن موجات العبور الجماعي تعكس أزمة اجتماعية واقتصادية، وداعية إلى معالجة الأسباب البنيوية للظاهرة بدل اختزالها في بعدها الأمني.
وبالنسبة إلى فرع الناظور، فإن الملف لم يعد مجرد أرقام داخل سجلات المحاكم، بل قضية تتعلق بشباب وجدوا أنفسهم بين الرغبة في الوصول إلى الضفة الأخرى وثقل المتابعة القضائية من جهة، وبين واقع اجتماعي واقتصادي يقول الفرع إنه يدفع فئات من الشباب إلى البحث عن مستقبل خارج البلاد من جهة ثانية.
وفي ختام بيانه، جدد فرع الجمعية مطالبته بالإفراج عن الشباب المعتقلين على خلفية أحداث محاولة العبور إلى مليلية المحتلة، ووضع حد للمتابعات القضائية المرتبطة بهذه الأحداث، وضمان احترام حقوقهم وحرياتهم وكرامتهم الإنسانية. كما طالب بضمان الحق في الدفاع وشروط المحاكمة العادلة، وعدم اختزال العدالة في مجرد إصدار الأحكام.
وشدد الفرع كذلك على أن استمرار الاعتقال والمتابعة لا يعالج، في تقديره، الجذور الاجتماعية والاقتصادية للهجرة، داعياً إلى اعتماد سياسة عمومية شاملة توفر للشباب شروط العيش الكريم وفرص العمل وآفاق المستقبل، بدل أن تتحول الأزمات الاجتماعية المتراكمة إلى ملفات قضائية جديدة.
وهكذا، يعود ملف الشباب إلى الواجهة من بوابة المحاكم، لكن هذه المرة بسؤال يتجاوز قاعات الجلسات: هل يمكن أن تنتهي أزمة الهجرة بمجرد صدور الأحكام، أم أن الأحكام لا تلامس سوى الحلقة الأخيرة من سلسلة طويلة من الأسباب التي دفعت هؤلاء الشباب أصلاً إلى محاولة العبور؟
29/09/2026