في اعتراف يحمل أكثر مما يقول، جدد القصر الملكي الإسباني «زارزويلا» التأكيد على أن الملك فيليبي السادس يرغب في زيارة سبتة ومليلية المحتلتين «منذ اعتلائه العرش»، وكأن الأمر يتعلق بموعد بروتوكولي مؤجل لم يجد طريقه إلى جدول الأعمال. غير أن خلف هذه العبارة الناعمة تختبئ حقيقة سياسية أكثر إحراجًا لمدريد: ملك إسبانيا لم يزر الثغرين المغربيين طوال سنوات حكمه، فيما ظلت أي خطوة في اتجاههما محكومة بحسابات دقيقة لرد فعل المغرب.
المفارقة أن مدريد تصر منذ عقود على تقديم سبتة ومليلية باعتبارهما «جزءًا من إسبانيا»، وتستخدم في كل مناسبة لغة حاسمة عن «السيادة» و«وحدة الأراضي»، لكنها عندما يتعلق الأمر بزيارة ملكها للثغرين، تتحول تلك «السيادة المحسومة» إلى ملف يحتاج إلى حساب دقيق لموقف الرباط. وهنا تحديدًا تكمن المفارقة التي تكشفها تصريحات القصر الملكي نفسه: إذا كانت المسألة محسومة كما تقول مدريد، فلماذا احتاج الملك إلى كل هذه السنوات لزيارة ما تعتبره بلاده أراضيها؟
ونقلت صحيفة إسبانية عن القصر الملكي أن زيارة سبتة ومليلية كانت دائمًا ضمن نوايا فيليبي السادس، مشيرة إلى أن عدم حصولها ارتبط، بحسب الرواية الإسبانية، بالمخاوف من رد فعل المغرب، باعتباره البلد الذي يطالب بالسيادة على الثغرين. وبذلك تقدم المؤسسة الملكية الإسبانية، من حيث لا تريد، اعترافًا سياسيًا بالغ الدلالة: المغرب حاضر في كل حساب إسباني يتعلق بسبتة ومليلية، إلى درجة أن زيارة ملك إسبانيا للثغرين لا يمكن فصلها عن موقف الرباط.
وهذا الاعتراف ليس تفصيلًا عابرًا، بل إحراج سياسي واضح لمدريد؛ فالدولة التي تريد إقناع الجميع بأن وضع الثغرين «غير قابل للنقاش» تجد نفسها مضطرة إلى الإقرار بأن موقف المغرب يشكل أحد الاعتبارات التي تحدد إمكانية قيام الملك الإسباني بزيارة إليهما. إنها مفارقة يصعب تمريرها تحت عنوان البروتوكول، لأنها تكشف أن ما تسميه مدريد «سيادة كاملة» يخضع، في الواقع السياسي، لحسابات دولة جارة تتمسك بحقها التاريخي والسيادي في الثغرين.
والأكثر دلالة أن سبتة ومليلية ظلتا، وفق الصحيفة الإسبانية، المنطقتين الوحيدتين اللتين لم يزرهما فيليبي السادس داخل إسبانيا، حتى خلال المرحلة التي التزم فيها الملك والملكة بزيارة مختلف مناطق الحكم الذاتي بعد جائحة كورونا. فكل الخريطة الإسبانية كانت مفتوحة أمام العاهل، باستثناء الثغرين المغربيين المحتلين. ويبدو أن القصر الملكي اكتشف أن هناك أماكن يمكن الوصول إليها بالطائرة والسيارة والقطار، وأماكن أخرى تحتاج قبل الوصول إليها إلى قراءة دقيقة لموقف الرباط!
وتزداد المفارقة وضوحًا عندما نعود إلى آخر زيارة رسمية للملكية الإسبانية إلى سبتة ومليلية، والتي تعود إلى سنة 2007، حين زار خوان كارلوس الأول والملكة صوفيا الثغرين في عهد حكومة خوسيه لويس رودريغيث ثاباتيرو. تلك الزيارة لم تمر دون كلفة سياسية، إذ استدعى المغرب سفيره في مدريد للتشاور، في رسالة أكدت أن الرباط لا تنظر إلى مثل هذه الخطوات باعتبارها مجرد جولات بروتوكولية، بل باعتبارها أفعالًا سياسية مرتبطة بقضية السيادة على الثغرين.
ومنذ ذلك الحين، بقيت المؤسسة الملكية الإسبانية بعيدة عن سبتة ومليلية، رغم أن الحكومات الإسبانية المتعاقبة لم تتوقف عن تكرار خطاب «الإسبانية» و«السيادة». وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: هل تحتاج «السيادة» فعلًا إلى كل هذا التحفظ؟ وهل يمكن لمدريد أن تتحدث عن الحسم النهائي بينما لا يستطيع ملكها زيارة الثغرين دون أن تضع في الحسبان موقف المغرب؟
وجاء تجديد هذا الحديث في وقت بالغ الحساسية، بعد استقبال فيليبي السادس لرئيس الجيب الإسباني في سبتة، خوان خيسوس فيفاس، في قصر ماريفنت، لبحث الأزمة الأخيرة المرتبطة بالهجرة والتطورات الحدودية. وقد حرصت سلطات الجيب على تقديم الاستقبال باعتباره «دعمًا مؤسساتيًا ومعنويًا»، بينما لم تتم، وفق الصحيفة، دعوة رئيس مليلية المحتلة خوان خوسيه إمبروضا إلى لقاء مماثل، رغم استمرار التواصل الهاتفي بينه وبين الملك.
لكن ما يهم المغرب في كل هذه التفاصيل ليس من جلس مع الملك ومن لم يجلس، وإنما ما كشفته الأزمة من جديد: سبتة ومليلية ليستا ملفًا إسبانيًا داخليًا كما تحاول مدريد تصويره، بل قضية مرتبطة مباشرة بالعلاقة مع المغرب، وبالتاريخ والجغرافيا وبمسألة السيادة التي لم تُغلق بمجرد وجود إدارة إسبانية فوق الأرض.
وحين يقول القصر الملكي إن الملك «يرغب» في زيارة الثغرين منذ اعتلائه العرش، فإن السؤال المغربي المشروع هو: ماذا كان ينتظر طوال هذه السنوات؟ الجواب، وفق ما تكشفه الصحافة الإسبانية نفسها، ليس نقصًا في الرغبة ولا ازدحامًا في جدول المواعيد، وإنما حساسية رد الفعل المغربي. وهذه وحدها معطى كافٍ لإعادة طرح كثير من الادعاءات الإسبانية حول أن قضية سبتة ومليلية محسومة ولا تحتاج إلى نقاش.
إن مدريد تستطيع أن تصف سبتة ومليلية بما تشاء، وأن تمنحهما مختلف الأوصاف الإدارية والسياسية، لكن ذلك لا يغير حقيقة أن المغرب يعتبرهما ثغرين مغربيين تحت إدارة الاحتلال الإسباني. كما أن مرور السنوات لا يحول الاحتلال إلى ملكية مشروعة، ولا تستطيع البيانات الرسمية أن تمنح الشرعية التاريخية والجغرافية التي تبحث عنها مدريد.
بل إن المفارقة أن إسبانيا، وهي تتحدث عن «وحدة أراضيها»، تجد نفسها مضطرة إلى أخذ رد فعل المغرب في الاعتبار قبل اتخاذ خطوة ملكية داخل الثغرين. وفي المقابل، لا يحتاج المغرب إلى انتظار زيارة ملك أو رفع علم أو بيان رسمي لتأكيد موقفه من سبتة ومليلية؛ فالموقف المغربي ثابت، ومغربية الثغرين جزء من قضية وطنية لم تسقط بالتقادم.
وقد يكون فيليبي السادس راغبًا فعلًا في زيارة سبتة ومليلية، وقد يقرر القصر الملكي في نهاية المطاف تنفيذ هذه الرغبة بعد سنوات من الانتظار، لكن أي زيارة من هذا النوع لن تغير طبيعة النزاع ولن تمنح مدريد صكًا جديدًا للسيادة. فالملك يستطيع أن يزور، وأن يلتقي المسؤولين، وأن يخطب أمام الكاميرات، لكن الصور الملكية لا تعيد كتابة التاريخ، والأعلام لا تغير الجغرافيا، والاحتلال لا يتحول إلى حق مكتسب بمجرد طول بقائه.
والأهم أن اعتراف «زارزويلا» بحساسية رد فعل المغرب يقدم، من داخل المؤسسة الإسبانية نفسها، واحدة من أكثر الإشارات دلالة في هذا الملف: مدريد تعرف أن المغرب طرف أساسي في معادلة سبتة ومليلية، وتعرف أن أي خطوة ملكية تجاه الثغرين لا يمكن فصلها عن موقف الرباط.
وهكذا، بدل أن يكون تجديد الحديث عن «رغبة الملك في الزيارة» انتصارًا رمزيًا لإسبانيا كما قد ترغب بعض الأصوات في تقديمه، فإنه يكشف الوجه الآخر للقصة: ملك إسبانيا ظل لسنوات بعيدًا عن ما تسميه مدريد «أرضًا إسبانية»، في وقت ظلت فيه حسابات الموقف المغربي حاضرة بقوة في النقاش حول هذه الزيارة.
وبعبارة أكثر وضوحًا، فإن القصر الملكي الإسباني قدم، من حيث لا يريد، شهادة سياسية على أن المغرب ليس خارج معادلة سبتة ومليلية، بل حاضر في صلبها. أما محاولة تقديم الغياب الملكي الطويل باعتباره مجرد ظرف بروتوكولي، فتبدو أقرب إلى محاولة تجميل واقع سياسي واضح: هناك ثغران مغربيان تحت إدارة الاحتلال الإسباني، وهناك دولة مغربية لم تتخلَّ عن حقها فيهما، وهناك مدريد تعرف جيدًا أن هذا الملف لا يمكن حسمه بالتصريحات ولا بالزيارات الملكية.
ولذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس لماذا يريد فيليبي السادس زيارة سبتة ومليلية، بل لماذا احتاج ملك إسبانيا إلى كل هذه السنوات، ولماذا ظل موقف المغرب حاضرًا في حسابات القصر كلما طُرحت فكرة الزيارة؟ الجواب، مهما حاولت مدريد تغليفه بالبروتوكول، يظل واضحًا: لأن الثغرين المغربيين المحتلين ليسا قضية إسبانية خالصة، ولأن المغرب لم ولن يتعامل مع الاحتلال باعتباره حقيقة أبدية.
07/08/2026