في تطور جديد يزيد الحرج على حكومة مدريد، كشفت صحيفة إسبانية أن الاستخبارات العسكرية أبلغت الحكومة، قبل ثلاثة أيام من اندلاع أزمة سبتة المحتلة، بأن احتمال وقوع محاولة واسعة لاقتحام الحدود كان «مرتفعاً جداً»، في معطى يفتح الباب أمام أسئلة ثقيلة حول ما إذا كانت السلطات الإسبانية قد فوجئت فعلاً بما جرى، أم أنها كانت تملك إنذارات مسبقة اختارت، لسبب أو لآخر، عدم التعامل معها بالجدية المطلوبة.
وبحسب الصحيفة، فإن مركز استخبارات القوات المسلحة الإسبانية «CIFAS» أعد مذكرة حذّر فيها من احتمال وقوع محاولة جماعية لاختراق حدود سبتة، وربط تقديراته بفترة الاحتفال بذكرى عيد العرش. والأخطر أن هذه المذكرة لم تكن مجرد معلومة عابرة، بل سُجلت في منظومة معلومات داخلية تتيح معرفة من أودعها، ومن اطلع عليها، وحتى ما إذا تم حذفها، ما يمنح التحقيق القضائي المحتمل مفتاحاً مهماً لتحديد مسار التحذير، ومعرفة من وصلته المعلومة قبل انفجار الأزمة.
والمثير أكثر أن الرواية التي حاولت بعض الأوساط الرسمية الإسبانية تقديمها عن غياب أي إنذار استخباراتي مسبق باتت تواجه معطيات مغايرة، إذ تقول الصحيفة إن المركز الوطني للاستخبارات «CNI» كان بدوره قد حذّر من مؤشرات تصعيد محتمل، بعدما أعد تقريراً حول التداعيات التي قد تترتب على حكم للمحكمة العليا الإسبانية يتعلق بإجراءات إعادة الأشخاص الذين يدخلون البلاد بشكل غير قانوني. أي أن الصورة، وفق هذه الرواية، لم تكن خالية من الإشارات، بل كانت مليئة بها، بينما ظل السؤال معلقاً: أين كان القرار السياسي؟
وتشير المعطيات نفسها إلى أن مذكرة الاستخبارات العسكرية كان يفترض أن تمر عبر هرم القيادة العسكرية، وصولاً إلى رئيس أركان الدفاع ثم وزيرة الدفاع، بالنظر إلى خطورة وصف التهديد بأنه «مرتفع الاحتمال». ومع ذلك، تؤكد الصحيفة أن إجراءات استباقية استثنائية لم تُتخذ لمنع الأزمة، في وقت كانت فيه المؤشرات تتراكم على الأرض، وهو ما يجعل الرواية الإسبانية تبدو أقل شبهاً بـ«مفاجأة أمنية» وأكثر شبهاً بفشل في تحويل المعلومات إلى قرارات.
والأكثر إثارة للجدل أن الصحيفة تكشف أن جهاز الاستخبارات المضادة التابع لـ«CIFAS» طلب الترخيص بالانتشار في سبتة، لكنه لم يحصل عليه. وبمعنى أكثر وضوحاً، كانت هناك، وفق هذه الرواية، رغبة في إرسال عناصر مختصة إلى الميدان، لكن الضوء الأخضر لم يصل. وهنا لا يعود السؤال متعلقاً بقدرة الاستخبارات على الرصد وجمع المعلومات، وإنما بمدى استعداد السلطة السياسية للاستماع إلى تلك المعلومات وتحويلها إلى إجراءات قبل أن تتحول التحذيرات إلى واقع.
وبينما كانت مدريد، بحسب التقرير، تملك معلومات استخباراتية وتحذيرات من أكثر من جهة، لم يتم تفعيل إجراءات عسكرية استثنائية قبل اندلاع الأزمة، ولم تبدأ التحركات الكبرى إلا بعد أن أصبح الوضع أمراً واقعاً. وهكذا وجدت السلطات الإسبانية نفسها أمام أزمة على حدود مدينة محتلة، بعدما كان بإمكانها، وفق الرواية المنشورة، التعامل مع المؤشرات في وقت مبكر. إنها المفارقة التي تختصر الكثير: أجهزة تجمع المعلومات، وتقارير تحذّر، ومسؤولون يملكون سلطة القرار، ثم تأتي الأزمة لتكشف أن كل ذلك لم يكن كافياً لمنع الانفجار.
وتذهب مصادر عسكرية نقلت عنها الصحيفة إلى أن المشكلة لم تكن في «فشل» البنية العسكرية والاستخباراتية بقدر ما كانت في غياب القرار السياسي لتفعيل الخطط العملياتية المناسبة. بل إن مصادر عسكرية تحدثت عن أن «اللافت» كان، بحسب تعبيرها، عدم تحرك الحكومة. وأمام هذه الرواية، فإن حكومة مدريد لا تواجه مجرد انتقادات حول طريقة تدبير أزمة حدودية، وإنما تواجه سؤالاً أكثر إحراجاً حول المسؤولية السياسية عن عدم الاستجابة لتحذيرات قالت أجهزة الدولة نفسها إنها كانت بالغة الخطورة.
وفي خضم ذلك، تبرز أيضاً معطيات عن استمرار أجهزة الاستخبارات الإسبانية في مراقبة الوضع ساعة بساعة، خصوصاً في ظل تداول دعوات عبر شبكات التواصل الاجتماعي بشأن محاولة جديدة للعبور يوم 15، مع حديث الصحيفة عن مؤشرات تفيد بأن الرباط ستسعى إلى منع تكرار السيناريو. وهي نقطة تكشف، مرة أخرى، أن أمن سبتة ومليلية المحتلتين لا يمكن فصله عن التعاون المغربي، مهما حاولت بعض الخطابات الإسبانية تقديم الثغرين وكأنهما جزيرتان أمنيتان مستقلتان عن محيطهما الجغرافي والسياسي.
والمفارقة التي يصعب تجاهلها أن مدريد، التي تتحدث باستمرار عن «أمن حدودها»، تجد نفسها، وفق المعطيات التي نشرتها صحيفة إسبانية، مضطرة إلى الاعتماد على التعاون مع المغرب لمنع تكرار أزمة حدودية بهذا الحجم. وبينما تنشغل بعض الأصوات السياسية الإسبانية بتوجيه أصابع الاتهام نحو المغرب والمهاجرين، فإن السؤال الأكثر إزعاجاً قد يكون موجوداً داخل مؤسسات الدولة الإسبانية نفسها: ماذا فعلتم عندما كانت أجهزتكم تحذّركم؟
القضية الآن لم تعد مجرد أزمة هجرة أو حادث حدودي عابر، بل تحولت إلى اختبار حقيقي للمسؤولية السياسية والأمنية داخل إسبانيا. فإذا أكدت التحقيقات وجود مذكرة استخباراتية واضحة قبل ثلاثة أيام من اندلاع الأزمة، وثبت أنها وصلت إلى المسؤولين المعنيين، فإن الحديث عن «المفاجأة» لن يكون سوى محاولة للهروب من السؤال الحقيقي. فحين تصل المعلومة في الوقت المناسب، ثم لا تتحول إلى قرار، فإن المشكلة لا تكون في غياب الاستخبارات، بل فيمن يملك القرار ولا يستخدمه.
ويبقى الملف مفتوحاً أمام القضاء والرأي العام الإسباني، خصوصاً أن المذكرة التي تتحدث عنها الصحيفة مصنفة ضمن المعلومات الحساسة، وقد يتطلب الكشف عنها رفع السرية عنها. وعندها فقط يمكن أن تتضح الصورة كاملة: من كتب التحذير، ومن تسلمه، ومن قرأه، ومن قرر عدم التحرك، ومن سيتحمل المسؤولية إذا ثبت أن الكارثة كانت متوقعة ولم تكن مفاجئة كما حاول البعض تصويرها.
أما سبتة ومليلية المحتلتان، فقد تحولتا مرة أخرى إلى مرآة تكشف هشاشة الحسابات الإسبانية في التعامل مع ملف الحدود والهجرة. فالمشكلة لم تعد فقط في آلاف الأشخاص الذين وصلوا إلى الحدود، بل في منظومة كاملة يفترض أنها تراقب وتستشرف وتخطط، ثم تجد نفسها بعد وقوع الأزمة تبحث عن الأعذار. وإذا صحت الرواية المنشورة، فإن أكثر ما يثير القلق ليس أن العاصفة جاءت فجأة، بل أن أجهزة إسبانية قالت إنها رأت غيومها تقترب، بينما بقي أصحاب القرار يتصرفون وكأن السماء صافية.
07/08/2026