لم تنجح رسائل الطمأنة التي توزعها السلطات الإسبانية في إعادة الهدوء الكامل إلى سبتة المحتلة، فبعد مرور أسبوع على أزمة الهجرة التي هزت المدينة، بدأت تداعياتها تتجاوز الحدود والسياج والأسلاك الشائكة، لتصل إلى أكثر الأماكن حساسية بالنسبة للسكان: المنازل والأحياء والأمن اليومي.
وكشفت صحيفة إسبانية، في تقرير نشرته اليوم السبت، أن عدداً من سكان المدينة اضطروا إلى تقليص عطلاتهم أو إلغائها والعودة مبكراً إلى سبتة، خوفاً من ترك منازلهم خالية لفترات طويلة، في مؤشر على أن «العودة إلى الحياة الطبيعية» التي تتحدث عنها السلطات لم تصل بعد إلى جميع أحياء المدينة.
ففي الوقت الذي تبدو فيه بعض المناطق المركزية أكثر هدوءاً بفعل الانتشار الأمني المكثف، تقول الصحيفة إن الوضع مختلف في الأحياء والمناطق الطرفية، حيث لا تزال مشاعر القلق وعدم اليقين حاضرة بقوة، فيما يؤكد سكان أنهم اضطروا إلى تغيير عاداتهم اليومية واتخاذ احتياطات إضافية.
واللافت أن الأزمة لم تعد بالنسبة لبعض سكان سبتة مجرد ملف هجرة أو قضية حدودية، بل تحولت إلى هاجس أمني يلامس الممتلكات الخاصة والحياة اليومية.
وبحسب مصادر أمنية وسكانية وعقارية نقلت عنها الصحيفة، قرر بعض مالكي العقارات تقديم موعد عودتهم من العطلات، فيما ألغى آخرون سفرهم بالكامل، حتى لا يتركوا منازلهم فارغة في ظل حالة التوتر التي تعيشها المدينة.
وتنقل الصحيفة عن مالكة وكالة عقارية تدعى جيوتي أرجانداس قولها إن بعض السكان «خائفون»، وإن هناك أشخاصاً عادوا بالفعل من عطلاتهم، بينما قرر آخرون عدم مغادرة المدينة أصلاً.
وتذهب إحدى الشهادات التي نقلتها الصحيفة إلى حد وصف الوضع في بعض الأحياء بأنه «خارج عن السيطرة»، مع حديث صاحبها عن وجود آلاف الأشخاص الذين دخلوا بشكل غير نظامي وما زالوا في المدينة أو محيطها.
وهنا تظهر المفارقة الصارخة: مدينة تقول سلطاتها إن الوضع تحت السيطرة، بينما يقول جزء من سكانها إنهم لا يشعرون بالأمان حتى لترك منازلهم لبضعة أيام.
وفي شهادة أخرى، قال لويس غارسيا، المقيم في سبتة منذ أكثر من ثلاثة عقود، إنه ألغى رحلة كان يعتزم القيام بها إلى شبه الجزيرة الإسبانية بسبب الوضع الحالي، مؤكداً أن «الإحساس بانعدام الأمن» يجعله غير مرتاح.
وتكشف هذه الشهادات عن أزمة أعمق من مجرد تدبير أمني مؤقت، خصوصاً أن سبتة كانت تعاني أصلاً من أزمة سكن وارتفاع الأسعار ونقص العرض، قبل أن تأتي التطورات الأخيرة لتضيف طبقة جديدة من القلق إلى سوق عقارية تعيش أصلاً تحت الضغط.
وبحسب مصادر شرطية نقلت عنها الصحيفة، فإن بعض السكان ألغوا عطلاتهم حتى لا يتركوا منازلهم فارغة، فيما تحدثت مصادر من قطاع الأعمال عن وجود آلاف الأشخاص الذين قد لا يجدون مكاناً للإقامة، معتبرة أن المدينة لا تملك القدرة على استيعاب هذا العدد.
لكن الأخطر، وفق التقرير، هو ما يقال عن الوضع في بعض الأحياء الشعبية، حيث تتحدث شهادات عن مشاجرات ليلية وإحراق حاويات للنفايات، إضافة إلى ادعاءات بشأن حيازة بعض الأشخاص للسكاكين وأسلحة أخرى.
وتنقل الصحيفة عن صاحبة متجر للمواد الغذائية، ليونور هيريديا، قولها إن السكان «لا يرون الأمن»، وإنها أصبحت مضطرة إلى تأخير فتح متجرها صباحاً، في انتظار خروج سكان الحي، بينما يتناوب بعضهم على البقاء معها عند الباب.
والأكثر إثارة للقلق في شهادتها أن الأمر لم يعد مرتبطاً بالخوف الشخصي فقط، بل بدأ ينعكس على النشاط التجاري نفسه، بعدما قالت إن بعض موردي السلع باتوا يخشون إيصال البضائع إلى متجرها، ما دفعها إلى استخدام سيارتها الخاصة لنقل السلع وتفريغها بنفسها.
ومع ذلك، تبقى كل هذه الشهادات بحاجة إلى وضعها في سياقها الصحيح، خصوصاً أن الصحيفة تعتمد في أجزاء من تقريرها على شهادات سكان ومصادر محلية، ولا تعني بالضرورة أن الوضع الأمني يسود بالطريقة نفسها في جميع أنحاء المدينة.
لكن المؤكد أن أزمة سبتة لم تنته بمجرد تراجع مشاهد الاقتحام الأولى. فالصور التي اختفت من الشاشات لا تعني أن آثارها اختفت من الشوارع والمنازل.
وإذا كانت السلطات الإسبانية تراهن على الانتشار الأمني المكثف لإقناع السكان بأن الأمور عادت إلى طبيعتها، فإن استمرار إلغاء العطلات والعودة المبكرة إلى المنازل، وفق الشهادات التي نقلتها الصحافة الإسبانية، يقدم صورة أكثر تعقيداً.
فالمشكلة لم تعد فقط في من عبر الحدود، ولا في عدد الذين دخلوا المدينة، بل في ما تركته الأزمة خلفها من خوف وارتباك وشك في قدرة السلطات على ضمان الأمن وإدارة تداعياتها.
ويبقى أخطر ما يمكن أن تواجهه أي مدينة ليس أن تمتلئ شوارعها بالشرطة، بل أن يبدأ سكانها أنفسهم في التصرف وكأنهم لم يعودوا يثقون بأن بوسعهم ترك منازلهم بأمان.
وهذا بالضبط ما يجعل تداعيات أزمة سبتة أبعد بكثير من مجرد أزمة هجرة عابرة.
08/08/2026