kawalisrif@hotmail.com

تقرير عسكري إسباني يقرّ بتراجع التفوق أمام المغرب … الرباط تعيد رسم ميزان القوة في محيط سبتة ومليلية وجنوب إسبانيا

تقرير عسكري إسباني يقرّ بتراجع التفوق أمام المغرب … الرباط تعيد رسم ميزان القوة في محيط سبتة ومليلية وجنوب إسبانيا

لم يعد ميزان القوة العسكرية في غرب المتوسط كما كان قبل عقدين. هذه الخلاصة تبرز بوضوح في تقرير أعدته الكلية العليا للقوات المسلحة الإسبانية، بعدما أقر بأن التطور المتسارع للقدرات العسكرية المغربية قلّص الفارق الذي كانت مدريد تعتمد عليه طويلاً كأحد مرتكزات الردع في محيط سبتة ومليلية.

التقرير، الذي أُنجز قبل نحو عام على يد القائد في الجيش البري أرياس أوتيرو، ونُشر في يوليوز 2025، عاد إلى واجهة النقاش الإسباني عقب أحداث الاقتحام الجماعي لمدينة سبتة في 30 يوليوز الماضي، بعدما سلط الضوء على التحولات التي شهدتها القدرات العسكرية المغربية خلال السنوات الأخيرة، وما ترتب عنها من إعادة حسابات داخل المؤسسة العسكرية الإسبانية.

وبحسب ما أوردته صحيفة «إل فارو دي مليلية»، فإن الوثيقة، التي جاءت تحت عنوان «استراتيجيات الردع الإسبانية في مواجهة التهديدات غير المشتركة في القرن الحادي والعشرين»، تقع في 16 صفحة، وتبحث في الوسائل التي يمكن لمدريد الاعتماد عليها لردع المغرب عن أي تحرك محتمل تجاه المدينتين المحتلتين.

وتكمن أهمية التقرير في اعترافه بأن التفوق العسكري الإسباني، الذي كان يُنظر إليه قبل سنوات باعتباره عاملاً حاسماً في معادلة الردع، لم يعد مضموناً بالدرجة نفسها.

فالمغرب، منذ أزمة جزيرة ليلى سنة 2002، دخل في مسار متواصل لتحديث قواته المسلحة، مستفيداً من ارتفاع كبير في الإنفاق الدفاعي، وتنويع مصادر التسليح، والانتقال نحو أنظمة أكثر تطوراً في مجالات الطيران والدفاع الجوي والصواريخ والمدفعية والطائرات غير المأهولة.

ويشير التقرير إلى أن المغرب خصص في المتوسط نحو 4 في المائة من ناتجه المحلي الإجمالي للدفاع منذ أزمة جزيرة ليلى، فيما بلغت استثماراته العسكرية خلال العقدين الأخيرين، وفق المعطيات الواردة في الوثيقة، نحو 70 مليار دولار.

والأهم من حجم الإنفاق نفسه هو طبيعة التحول الذي طرأ على الترسانة المغربية؛ إذ لم تعد عملية التحديث مقتصرة على اقتناء أسلحة تقليدية، بل اتجهت نحو بناء منظومة متكاملة تجمع بين القوة الجوية، والاستطلاع، والطائرات المسيرة، والدفاع الجوي، والمدفعية بعيدة المدى والقدرات الصاروخية.

ومن أبرز الأنظمة التي أشار إليها التقرير المقاتلات الأمريكية F-16 Block 72، التي تمثل نقلة نوعية في سلاح الجو المغربي، إلى جانب مروحيات AH-64E Apache، ومنظومات المدفعية الصاروخية HIMARS، فضلاً عن طائرات مسيرة متطورة، من بينها MQ-9B SeaGuardian وBayraktar TB2.

كما أشار التقرير إلى امتلاك المغرب منظومة الدفاع الجوي Barak-8، بما يعكس توجهاً نحو تعزيز قدرات حماية المجال الجوي وتقليص نقاط الضعف التي كانت قائمة في مراحل سابقة.

وهنا تحديداً تكمن إحدى أبرز التحولات التي تثير اهتمام المؤسسة العسكرية الإسبانية: فالمغرب لم يعد يعتمد على سلاح واحد لتحقيق الردع، وإنما يعمل على بناء شبكة متعددة المستويات من القدرات، تجعل أي حساب عسكري أكثر تعقيداً بالنسبة إلى الطرف المقابل.

ويطرح التقرير سؤالاً جوهرياً يتعلق بمدى قدرة إسبانيا على الحفاظ على مستوى الردع نفسه في محيط سبتة ومليلية، في ظل التطور المتسارع للقدرات المغربية.

فالقرب الجغرافي بين المغرب والمدينتين يجعل أي تحول في ميزان القدرات العسكرية ذا أهمية استثنائية. وما كان قبل سنوات يُنظر إليه باعتباره تفوقاً إسبانياً واضحاً، أصبح اليوم، وفق التقرير، أكثر ارتباطاً بمستوى الجاهزية والتكنولوجيا والقدرة على الردع، وليس بمجرد التفوق العددي أو نوعية بعض المنظومات.

ومن هذه الزاوية، فإن التطور المغربي لا يعني بالضرورة امتلاك تفوق شامل على إسبانيا في جميع المجالات، لكنه يعني، وفق القراءة التي يقدمها التقرير، أن الفجوة العسكرية التي كانت تفصل الطرفين تقلصت بشكل ملحوظ، وأن هامش المناورة الذي كانت تتمتع به مدريد أصبح أضيق مما كان عليه قبل سنوات.

ولا يتوقف التقرير عند القدرات المغربية، بل يوجه أنظاره أيضاً إلى نقطة ضعف أخرى في الحسابات الإسبانية، تتمثل في مدى استعداد الحلفاء الأوروبيين والأطلسيين للتدخل عسكرياً في حال نشوب أزمة مرتبطة بسبتة أو مليلية.

وبحسب الوثيقة، فإن الدعم السياسي الذي يمكن أن تحصل عليه مدريد من الاتحاد الأوروبي أو حلف شمال الأطلسي لا يعني بالضرورة التزاماً تلقائياً بالتدخل العسكري دفاعاً عن المدينتين.

وتستحضر الوثيقة أزمة جزيرة ليلى سنة 2002 باعتبارها مثالاً على حساسية هذا الملف، وعلى ميل الحلفاء إلى تجنب الانخراط العسكري المباشر في نزاع ذي طبيعة سياسية وإقليمية مع المغرب.

وبالتالي، فإن إحدى أهم الخلاصات التي يصل إليها التقرير تتمثل في أن إسبانيا لا تستطيع بناء استراتيجية الردع الخاصة بسبتة ومليلية على افتراض تدخل خارجي مضمون، الأمر الذي يجعل قدراتها الذاتية، إلى جانب الدبلوماسية، عنصراً حاسماً في أي حساب مستقبلي.

ما تكشفه الوثيقة الإسبانية يتجاوز مجرد سرد لصفقات تسليح مغربية. فخلال عقدين فقط، انتقل المغرب من مرحلة كان فيها تحديث قواته المسلحة يتم بوتيرة محدودة، إلى بناء قوة عسكرية أكثر حداثة وتنوعاً، تستند إلى منظومات غربية متطورة وتكنولوجيا متقدمة وقدرات متزايدة في الاستطلاع والدفاع الجوي والحرب بعيدة المدى.

وهذا التطور يفسر جانباً من القلق المتزايد داخل بعض الأوساط العسكرية الإسبانية بشأن مستقبل معادلة الردع في غرب المتوسط.

فالمسألة، في النهاية، لا تتعلق فقط بمن يملك أسلحة أكثر، وإنما بمن يملك قدرة أكبر على اكتشاف التهديد، والرد عليه، وحماية مجاله، وفرض تكلفة عسكرية مرتفعة على أي مغامرة محتملة.

وفي هذا السياق، تبدو الرسالة الأبرز التي يحملها التقرير واضحة: المغرب الذي تواجهه إسبانيا اليوم عسكرياً ليس هو المغرب الذي واجهته قبل عشرين عاماً.

لقد تغيرت الترسانة، وتطورت القدرات، وتعددت مصادر التسليح، وارتفعت مستويات الجاهزية، بينما أصبحت معادلة الردع في محيط سبتة ومليلية أكثر تعقيداً من أي وقت مضى.

وبينما لا يزال الجيش الإسباني يحتفظ بقدرات عسكرية متقدمة وعضوية داخل منظومات دفاعية كبرى، فإن التقرير الإسباني نفسه يقر بأن التفوق الذي كان يبدو محسومًا قبل عقدين لم يعد أمراً يمكن التعامل معه باعتباره حقيقة ثابتة.

وهكذا، فإن سباق تحديث القدرات العسكرية في غرب المتوسط لم يعد مجرد ملف تقني يتعلق بالأسلحة، بل أصبح جزءاً من إعادة تشكيل أوسع لموازين القوة في المنطقة، حيث بات المغرب يمتلك أدوات عسكرية أكثر تطوراً تمنحه قدرة ردع أكبر وحضوراً استراتيجياً أقوى مما كان عليه في بداية الألفية.

08/08/2026

مقالات خاصة

Related Posts