في ميناء الحسيمة، لا تبدو الأرقام مجرد بيانات باردة في تقرير اقتصادي، بل تحمل معها إشارات مقلقة إلى وضع قطاع يعيش على إيقاع البحر وتقلباته. فخلال الأشهر الستة الأولى من سنة 2026، لم تستطع مفرغات الصيد الساحلي والتقليدي الحفاظ على نسق السنة الماضية، بعدما تراجعت الكميات والقيمة التجارية بشكل لافت، في مشهد يضع مستقبل النشاط البحري بالمنطقة أمام أكثر من علامة استفهام.
المعطيات تكشف أن حجم المفرغات بلغ حوالي 1078 طناً إلى نهاية يونيو 2026، مسجلاً انخفاضاً بنسبة 15 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من سنة 2025. لكن المفاجأة الأكبر جاءت من القيمة التجارية، التي انكمشت بدورها بنسبة 16 في المائة، لتنزل من أكثر من 72.42 مليون درهم خلال النصف الأول من السنة الماضية إلى حوالي 60.99 مليون درهم فقط خلال الفترة ذاتها من السنة الحالية.
وراء هذه النسب تختبئ قصة أكثر تعقيداً. فميناء الحسيمة، الذي يشكل الصيد أحد شرايينه الاقتصادية والاجتماعية، يجد نفسه أمام تراجع لا يقتصر على نوع واحد من المنتجات البحرية، بل يمتد إلى عدد من الأصناف الرئيسية، ما يجعل السؤال أكبر من مجرد تقلب موسمي في الكميات المفرغة.
الأسماك السطحية بدورها لم تنجُ من موجة الانخفاض، بعدما تراجعت مفرغاتها بنسبة 27 في المائة، لتستقر في حدود 152 طناً، بقيمة تجارية تناهز 7.98 ملايين درهم. وهي أرقام تؤشر على انخفاض في القيمة بنسبة 18 في المائة مقارنة بنهاية يونيو من السنة الماضية، بما يعكس استمرار الضغط على أحد مكونات النشاط السمكي بالميناء.
أما الأسماك البيضاء، فقد بدت أكثر صموداً أمام المد المتراجع، بعدما حافظ حجم مفرغاتها تقريباً على الاستقرار في حدود 173 طناً، في الوقت الذي سجلت فيه قيمتها التجارية ارتفاعاً بنسبة 9 في المائة. وهو معطى يكشف أن انخفاض الكميات لا يعني بالضرورة انهيار المداخيل في جميع الأصناف، إذ يمكن لعوامل الأسعار وطبيعة المنتجات أن تقلب المعادلة.
لكن الصورة الأكثر إثارة للانتباه تظهر عند الحديث عن رأسيات الأرجل، التي تعد من أبرز مكونات النشاط التجاري بميناء الحسيمة. فقد تراجعت مفرغاتها بنسبة 18 في المائة، لتصل إلى حوالي 701 طن، بقيمة تناهز 42.47 مليون درهم. وهنا يبدو واضحاً أن جزءاً كبيراً من وزن الميناء التجاري ما يزال مرتبطاً بهذا الصنف، ما يجعل أي تراجع فيه ينعكس مباشرة على القيمة الإجمالية للمفرغات.
وفي الاتجاه المعاكس تماماً، سجلت القشريات قفزة لافتة، بعدما ارتفع حجم مفرغاتها بنسبة 70 في المائة، ليصل إلى حوالي 52 طناً، فيما تجاوزت قيمتها التجارية 3.51 ملايين درهم، بزيادة بلغت 34 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من سنة 2025.
وبين تراجع الأسماك السطحية ورأسيات الأرجل، واستقرار الأسماك البيضاء، وصعود القشريات، تبدو خريطة الصيد بميناء الحسيمة وكأنها تعيد رسم نفسها تحت ضغط متغيرات متعددة. فالأرقام لا تقدم صورة سوداء بالكامل، لكنها بالتأكيد تدق ناقوس الإنذار بشأن الاتجاه العام للنشاط.
واللافت أن التراجع لا يتعلق فقط بعدد الأطنان التي تصل إلى رصيف الميناء، وإنما امتد أيضاً إلى القيمة المالية التي تنتجها تلك المفرغات. انخفاض بأكثر من 11 مليون درهم مقارنة بالنصف الأول من السنة الماضية ليس مجرد فارق حسابي، بل رقم له انعكاسات محتملة على المهنيين والبحارة والوسطاء والعمال وكل الأنشطة المرتبطة بالدورة الاقتصادية للصيد.
وفي مدينة ترتبط ذاكرتها وحاضرها بالبحر، يصبح السؤال مشروعاً: هل يتعلق الأمر بتراجع ظرفي يمكن أن تعوضه الأشهر المقبلة، أم أن الأرقام تعكس تحولاً أعمق في واقع الثروة السمكية ومردودية النشاط بميناء الحسيمة؟
المؤكد أن البحر لا يقدم أجوبة جاهزة، وأن الأرقام وحدها لا تكفي لتفسير كل شيء. لكن عندما تتراجع الكميات بنسبة 15 في المائة، وتنخفض القيمة التجارية بـ16 في المائة، وتتراجع أصناف رئيسية بنسب متفاوتة، فإن تجاهل الإشارة قد يكون أخطر من الرقم نفسه.
الحسيمة اليوم أمام معادلة بحرية واقتصادية دقيقة: ثروة بحرية تتقلب، ومفرغات تتراجع، وقيمة مالية تنكمش، في مقابل ارتفاع لافت لبعض الأصناف. وبين هذه المؤشرات المتناقضة، يبقى الرهان الحقيقي هو معرفة ما يجري في البحر قبل أن تتحول أرقام التقارير إلى واقع أثقل على شغيلة الصيد وعلى اقتصاد مدينة ظل البحر، لعقود، أحد أبرز روافد حياتها.
08/08/2026