kawalisrif@hotmail.com

سبتة تغرق في أزمة الهجرة … 1500 مهاجر يفترشون الرمال وأكواخ القصب تفضح «أوروبا» خلف الأسوار

سبتة تغرق في أزمة الهجرة … 1500 مهاجر يفترشون الرمال وأكواخ القصب تفضح «أوروبا» خلف الأسوار

في سبتة المحتلة، لم تعد أزمة الهجرة مجرد أرقام تتداولها الصحافة الإسبانية أو بيانات أمنية تصدرها السلطات، بل تحولت إلى مشهد فاضح فوق الرمال. نحو 1500 مهاجر وجدوا أنفسهم في شاطئ «الترامبولين»، بعدما عجز مركز الإقامة المؤقتة للمهاجرين عن استقبال المزيد، لتتحول مدينة تتباهى بأنها جزء من الفضاء الأوروبي إلى عاجزة عن توفير أبسط شروط الإيواء لمن وصلوا إليها.

المفارقة الصارخة أن السلطات لم تجد حلاً للأزمة سوى ترك الشاطئ يؤدي وظيفة مخيم مؤقت، في مشهد يكشف حجم الارتباك الذي باتت تعيشه إدارة ملف الهجرة في المدينة. عشرات الأكواخ المصنوعة من القصب والأغصان والبلاستيك ظهرت فوق الرمال، وكأن الأمر يتعلق بمخيم للنازحين في منطقة منكوبة، لا بمدينة تقع تحت السيادة الإسبانية وتُقدَّم باستمرار باعتبارها بوابة أوروبا المتقدمة.

نحو 80 في المائة من هؤلاء المهاجرين ينحدرون من إفريقيا جنوب الصحراء، وبينهم حوالي 150 سودانياً لم ينتظروا كثيراً حتى يتحولوا من طالبي مأوى إلى منظمين لعملية تنظيف المكان الذي اضطروا إلى العيش فيه. وبينما عجزت المؤسسات عن إيجاد حل لائق، وجد هؤلاء أنفسهم مضطرين إلى جمع النفايات وتنظيف الشاطئ، في صورة تحمل قدراً كبيراً من السخرية المريرة.

والأكثر إثارة للانتباه أن السلطات وفرت عشرة مرافق صحية ونحو ثلاثين حماماً ونقاطاً للمياه والكهرباء والإنارة، إضافة إلى خيمة للظل، فيما تتولى الصليب الأحمر توزيع الغذاء وتقديم الرعاية الصحية. لكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: هل أصبحت هذه التجهيزات حلاً مؤقتاً فعلاً، أم أن السلطات بدأت تتعامل مع الشاطئ باعتباره امتداداً غير معلن لمراكز إيواء عاجزة عن استيعاب تدفقات المهاجرين؟

ما يحدث في «الترامبولين» ليس مجرد أزمة عابرة يمكن دفنها تحت الرمال. إنه نتيجة مباشرة لتراكم اختلالات في تدبير ملف الهجرة، خصوصاً بعد الدخول الجماعي الذي شهدته المدينة في 30 يوليوز الماضي. وعندما يصبح الشاطئ بديلاً عن المؤسسات، وتصبح الأكواخ بديلاً عن مراكز الإيواء، فإن المشكلة لم تعد في المهاجر وحده، بل في منظومة كاملة تبدو عاجزة عن إدارة نتائج سياستها.

واللافت أن بعض الخطاب الإعلامي الإسباني يسارع عادة إلى تقديم سبتة باعتبارها مدينة مهددة ومحاصرة، لكنه نادراً ما يتوقف عند سؤال أكثر إزعاجاً: كيف تحولت مدينة أوروبية إلى فضاء ينام فيه مئات الأشخاص تحت هياكل بدائية فوق الرمال؟ ومن يتحمل مسؤولية هذا الفشل؟ وهل يكفي تصوير الأزمة باعتبارها «ضغطاً مهاجراً» للهروب من مساءلة السياسات التي أنتجت هذا الوضع؟

إن تحويل المهاجرين إلى أرقام وكتل بشرية مشكلة، ثم وضعهم في شاطئ مؤقت، لا يلغي حقيقة أنهم بشر لهم حقوق وكرامة. وفي المقابل، فإن معالجة أزمة الهجرة لا يمكن أن تتم بمنطق الفوضى أو التساهل، وإنما بسياسة واضحة تجمع بين حماية الحدود، واحترام القانون، وتوفير شروط إنسانية لائقة، ومعالجة الأسباب العميقة التي تدفع آلاف الأشخاص إلى المخاطرة بحياتهم.

أما المشهد الأكثر دلالة، فهو أن 150 سودانياً قرروا تنظيف المكان الذي يعيشون فيه. رسالة بسيطة لكنها قاسية: عندما تعجز المؤسسات عن توفير الحد الأدنى من الحياة الكريمة، يبدأ الناس أنفسهم في ترميم ما يمكن ترميمه. وهنا تتحول أكواخ القصب فوق رمال «الترامبولين» إلى مرآة حقيقية لسياسة الهجرة الإسبانية، حيث تبدو الشعارات الأوروبية الكبيرة أصغر بكثير من حجم الواقع على الأرض.

سبتة المحتلة لا تحتاج إلى مزيد من المزايدات ولا إلى خطاب التخويف، بل تحتاج إلى مواجهة الحقيقة. والحقيقة أن أزمة «الترامبولين» كشفت مرة أخرى أن إدارة الهجرة ليست مجرد حواجز وأسلاك ودوريات أمنية، وأن تحويل الشواطئ إلى مخيمات مؤقتة لن يحل المشكلة، بل سيؤجل انفجارها ويجعل المشهد أكثر قسوة وإحراجاً.

ويبقى السؤال الذي يحرج الجميع: إلى متى ستظل سبتة تُقدَّم باعتبارها واجهة أوروبية مزدهرة، بينما ينام مئات المهاجرين تحت سقوف من البلاستيك والقصب على شاطئها؟ إنها صورة تختصر أزمة أكبر من «الترامبولين» نفسه، وتكشف أن وراء الأسوار قصة إنسانية وسياسية لا يمكن طمسها بمجرد تغيير العناوين.

09/08/2026

مقالات خاصة

Related Posts