في الوقت الذي أثارت فيه تقارير أمريكية حديثة قلقاً داخل الأوساط السياسية والإعلامية الإسبانية بشأن مستقبل مدينتي سبتة ومليلية، سارعت واشنطن إلى تبديد مخاوف مدريد، مؤكدة أن موقفها الرسمي من المدينتين لم يطرأ عليه أي تغيير.
وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية، تومي بيغوت، في تصريحات نقلها موقع «بوليتيكو»، إن الولايات المتحدة ما تزال تعتبر سبتة ومليلية تحت السيادة الإسبانية، مشدداً على أن ما يرد في تقارير صادرة عن الكونغرس لا يشكل، في حد ذاته، تغييراً في القانون أو السياسة الرسمية للولايات المتحدة.
لكن تصريحات المسؤول الأمريكي لم تتوقف عند حدود طمأنة مدريد، بل تحولت إلى هجوم مباشر على حكومة رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، بعدما حملها المسؤولية عن أزمة الهجرة التي شهدتها سبتة، ودعاها إلى اتخاذ إجراءات صارمة لإعادة فرض السيطرة على الحدود.
وهنا تبرز المفارقة التي تطرحها المقاربة الأمريكية: فواشنطن تتحدث عن احترام السيادة الإسبانية، لكنها في الوقت نفسه تتدخل بصورة مباشرة في كيفية إدارة مدريد لحدودها وسياساتها تجاه الهجرة، بل وتستخدم لغة شديدة التصعيد لوصف وصول المهاجرين إلى الأراضي الأوروبية.
وتزداد حدة هذا التناقض عندما يتعلق الأمر بالمغرب. فبينما تؤكد الإدارة الأمريكية تمسكها بالموقف الإسباني بشأن سبتة ومليلية، تعرف العلاقات بين واشنطن والرباط تطوراً لافتاً، في وقت يستمر فيه المغرب في اعتبار المدينتين جزءاً من مجاله الترابي، ويطالب بفتح نقاش حول مستقبلهما.
وكان تقرير صادر عن الكونغرس الأمريكي قد أثار جدلاً في إسبانيا بعدما أشار إلى سبتة ومليلية باعتبارهما ضمن «الأراضي المغربية»، وتحدث عن إمكانية التفاوض بشأن الوضع المستقبلي للمدينتين. وهو ما دفع قطاعات سياسية وإعلامية إسبانية إلى التساؤل حول ما إذا كانت واشنطن بصدد إعادة النظر، ولو تدريجياً، في مقاربتها التقليدية لهذا الملف.
غير أن الخارجية الأمريكية سارعت إلى احتواء هذه المخاوف، مؤكدة عدم وجود أي تحول رسمي في سياستها.
المثير في الموقف الأمريكي ليس فقط مضمون التصريحات، وإنما اللغة التي اختارتها واشنطن للحديث عن الهجرة. فالمسؤول الأمريكي وصف تدفق المهاجرين بأنه تهديد للأمن الأوروبي، وتحدث عن ضرورة «استعادة السيطرة» و«صد الغزو» وإخراج المهاجرين غير النظاميين من الأراضي الأوروبية.
وهي لغة تكشف، في نظر منتقدي السياسة الأمريكية، عن ازدواجية واضحة في التعامل مع قضايا الحدود والسيادة والهجرة؛ إذ تتحول حماية الحدود في الخطاب الأمريكي إلى مبدأ غير قابل للنقاش عندما يتعلق الأمر بحلفاء واشنطن، بينما تبدو مواقف الولايات المتحدة أكثر تعقيداً وانتقائية عندما يتعلق الأمر بملفات السيادة والنزاعات الإقليمية خارج الفضاء الأوروبي.
كما أن تحميل إسبانيا وحدها مسؤولية أزمة الهجرة يتجاهل الطبيعة المعقدة للظاهرة، التي ترتبط بعوامل اقتصادية واجتماعية وأمنية وجيوسياسية تتجاوز بكثير حدود مدينة أو دولة واحدة. فاختزال أزمة الهجرة في عبارة «رفض الدفاع عن الحدود» قد يكون مناسباً للخطاب السياسي، لكنه لا يقدم بالضرورة تفسيراً حقيقياً لجذور الأزمة.
وفي خضم ذلك، تبدو واشنطن حريصة على إرسال رسالتين في آن واحد: الأولى إلى مدريد، مفادها أن الولايات المتحدة لا تتراجع عن اعترافها بالسيادة الإسبانية على سبتة ومليلية؛ والثانية إلى حلفائها الأوروبيين، مفادها أن عليهم تحمل مسؤولية حماية حدودهم والتعامل بحزم مع الهجرة غير النظامية.
غير أن السؤال الذي يبقى مطروحاً هو: هل تستطيع الولايات المتحدة أن تقنع الجميع بأن موقفها من سيادة الدول وحدودها يستند إلى مبدأ ثابت، وليس إلى حسابات سياسية تتغير بحسب موقع الحليف ومصالح واشنطن؟
09/08/2026