kawalisrif@hotmail.com

الحسيمة:     «مغاربة العالم في صلب مغرب 2030» .. بومسعود يسأل عامل الإقليم :   حين يعود أبناء الجالية بالمشاريع ويظل الدعم عالقاً في الطريق ؟!

الحسيمة: «مغاربة العالم في صلب مغرب 2030» .. بومسعود يسأل عامل الإقليم : حين يعود أبناء الجالية بالمشاريع ويظل الدعم عالقاً في الطريق ؟!

بمناسبة اليوم الوطني للمهاجر لهذه السنة، المنظم تحت شعار «المغاربة المقيمون بالخارج في صلب أوراش مغرب 2030»، وجّه سمير بومسعود، رجل الأعمال المقيم بالنرويج ورئيس النادي الحسيمي لكرة القدم، رسالة إلى عامل إقليم الحسيمة، عبّر فيها عن تعذّر حضوره اللقاء السنوي المنظم بهذه المناسبة، لأسباب حالت دون تواجده شخصياً، مؤكداً في المقابل أن هذا الغياب الظرفي لا يعني غياباً عن المدينة أو عن قضاياها، ولا عن المشروع الرياضي الذي اختار الانخراط فيه إلى جانب عدد من أبناء الجالية المغربية المقيمة بالخارج.

واللافت في رسالة بومسعود أنها لا تقف عند حدود مناسبة احتفالية عابرة، بل تفتح، بشكل غير مباشر، نقاشاً حول المعنى الحقيقي لشعار هذه السنة: «المغاربة المقيمون بالخارج في صلب أوراش مغرب 2030». فإذا كان المقصود فعلاً أن يكون مغاربة العالم في صلب الأوراش الوطنية والتنموية الكبرى، فإن السؤال الطبيعي الذي يفرض نفسه هو: هل يمكن أن يكونوا في صلب التنمية وهم لا يجدون دائماً ما يكفي من المواكبة عندما يحاولون إطلاق مشاريع ومبادرات داخل مدنهم الأصلية؟

فمغاربة العالم لم يعودوا مجرد مواطنين يحولون الأموال ويعودون إلى الوطن خلال العطل. هناك جيل جديد اختار أن يجعل من خبرته في بلدان الإقامة رصيداً للاستثمار في الوطن، ومن علاقاته وشبكاته المهنية جسوراً للتنمية، ومن ارتباطه بالمدينة الأصلية مسؤولية عملية. وبعض هؤلاء اختاروا بوابة الرياضة، باعتبارها ورشاً اجتماعياً وتنموياً قادراً على الوصول إلى فئات واسعة من الشباب، وتأطيرهم وفتح آفاق جديدة أمامهم.

وفي هذا السياق، تبرز تجربة النادي الحسيمي لكرة القدم، بقيادة سمير بومسعود، باعتبارها نموذجاً لهذا النوع من الارتباط العملي بالوطن. فالرجل لم يكتفِ بمتابعة أخبار الحسيمة من وراء الحدود، بل اختار، إلى جانب مجموعة من زملائه في المكتب المسير من أبناء الجالية، الانخراط في تدبير مشروع رياضي داخل المدينة، واضعين خبراتهم وعلاقاتهم وإمكاناتهم في خدمة مشروع يراد له أن يتجاوز منطق الفريق والنتيجة والمباراة، إلى مشروع لتأطير الشباب وصناعة المواهب وخلق فرص جديدة.

وهنا بالضبط يصبح شعار «المغاربة المقيمون بالخارج في صلب أوراش مغرب 2030» بحاجة إلى اختبار حقيقي على أرض الواقع، لا إلى مجرد ترديده في المناسبات. لأن وضع مغاربة العالم في صلب التنمية يعني، في أبسط معانيه، تمكينهم من المساهمة، ومواكبة مبادراتهم، وفتح قنوات الشراكة أمامهم، وتوفير شروط المنافسة العادلة أمام المشاريع التي يطلقونها داخل الوطن.

غير أن المفارقة التي تفرض نفسها هي أن أبناء الجالية الذين يُطلب منهم باستمرار أن يستثمروا في وطنهم، وأن يساهموا في تنمية مدنهم، وأن يوظفوا خبراتهم وعلاقاتهم في خدمة بلدهم، يجدون أنفسهم، عندما يحاولون تنزيل هذه الشعارات على الأرض، أمام أسئلة أكثر إحراجاً: أين هي الشراكات؟ أين هو الدعم؟ وأين هي العدالة في توزيع الإمكانات العمومية؟

وبحسب ما يطرحه مسؤولو النادي الحسيمي، فإن المشروع واجه ما يعتبرونه حيفاً وإقصاءً من الدعم العمومي، وهو ما يرون أنه يعرقل بشكل مباشر مسار المشروع الرياضي الذي يساهم فيه عدد من أبناء الجالية. وهنا لا تعود المسألة مجرد نقاش حول منحة رياضية أو دعم موسمي، وإنما تصبح مرتبطة بجوهر الشعار نفسه: كيف نريد لمغاربة العالم أن يكونوا في صلب الأوراش التنموية، بينما قد يجد مشروع يقوده بعضهم نفسه أمام صعوبات في الوصول إلى الشراكات والإمكانات المتاحة؟

وبشيء من السخرية التي لا تخلو من مرارة، يمكن تلخيص المفارقة هكذا: تعالوا واستثمروا، تعالوا وساهموا، تعالوا بخبراتكم وعلاقاتكم وإمكاناتكم… لكن عندما تبحثون عن شراكة عمومية عادلة، فربما عليكم الانتظار قليلاً… وربما كثيراً!

والحال أن المطلوب ليس معاملة تفضيلية للنادي الحسيمي، ولا امتيازاً خارج القانون، وإنما تكافؤ الفرص ووضوح المعايير وشفافية الدعم العمومي. فإذا كانت الأندية مطالبة بالتأطير والتكوين وتحقيق النتائج وبناء مشاريع مستدامة، فمن الطبيعي أن يكون الدعم قائماً على معايير واضحة ومعلنة، حتى لا يصبح السؤال: لماذا استفاد هذا المشروع ولم يستفد ذاك؟ سؤالاً بلا جواب.

وتكتسب تجربة النادي الحسيمي أهمية إضافية بالنظر إلى المعطيات الواردة في الرسالة التي توصلت بها الجريدة، والتي تشير إلى أن نحو 70 في المائة من مكوناته التسييرية من مغاربة العالم، مع ارتباط المشروع بأكثر من 40 أسرة من اللاعبين والأطر، فضلاً عن سعي المكتب المسير إلى بناء شراكات، وجلب استثمارات، وخلق موارد قارة تخدم النادي وشباب الحسيمة والمدينة بشكل عام.

وهذا المعطى وحده كافٍ لطرح سؤال أكبر: إذا كان مشروع رياضي يعتمد بهذا الشكل على أبناء الجالية، فلماذا لا يتم التعامل معه باعتباره فرصة لتجسيد شعار هذه السنة على أرض الواقع؟ أليس من المفترض أن تكون الرياضة إحدى القنوات التي يمكن من خلالها إدماج مغاربة العالم في الأوراش التنموية المحلية، بدل أن تظل مساهماتهم محصورة في الخطاب العام والتحويلات المالية؟

ثم إن الرياضة ليست مجرد تسعين دقيقة فوق أرضية الملعب. النادي الرياضي يمكن أن يكون مدرسة للانضباط، وفضاءً لتأطير الأطفال والشباب، ومنصة لاكتشاف المواهب، ومجالاً لجذب المستثمرين والشركاء، بل قناة عملية لإعادة ربط أبناء الجالية بمدنهم ومجالاتهم الأصلية.

ومن هذه الزاوية، فإن تجربة المكتب المسير للنادي الحسيمي تستحق أن تُقرأ باعتبارها جزءاً من النقاش الأوسع حول التنمية المحلية بمساهمة مغاربة العالم. فهؤلاء لا يعودون فقط بأموالهم، وإنما يحملون معهم تجارب في التدبير، وشبكات من العلاقات، وخبرات مهنية، ومعارف اكتسبوها في بلدان الاستقبال، ويمكن أن تتحول إلى قيمة مضافة حقيقية داخل الوطن متى وجدت البيئة المناسبة.

أما أن يُطلب من مغربي العالم أن يكون شريكاً في التنمية عندما يتعلق الأمر بالخطابات الرسمية، ثم يتحول إلى مجرد طالب دعم عندما يطرق أبواب المؤسسات، فهنا تصبح المفارقة أكثر من مجرد تناقض لغوي؛ إنها فجوة بين الشعار والممارسة.

والأخطر أن استمرار محدودية الدعم أو ضعف الشراكات، وفق ما يطرحه مسؤولو النادي، قد لا ينعكس فقط على المكتب المسير، وإنما قد يضعف مشروعاً رياضياً يراهن على الشباب وعلى تعبئة أبناء الجالية. فالمشروع الذي يعتمد بشكل كبير على الإمكانات الذاتية، مهما كانت طموحات أصحابه كبيرة، سيصل عاجلاً أم آجلاً إلى سقف يصعب تجاوزه.

ولذلك، فإن المطلوب ليس منحة استثنائية، ولا معاملة خاصة، ولا امتيازاً خارج قواعد المنافسة، وإنما إنصاف مؤسساتي واضح. فالدعم العمومي ليس هبة شخصية، ولا مكافأة على الولاء، وإنما آلية يفترض أن تخدم المصلحة العامة، وفق معايير شفافة ومنصفة، تتيح للمشاريع الجادة أن تثبت جدارتها على أرض الواقع.

وإذا كان شعار هذه السنة يقول إن مغاربة العالم يوجدون «في صلب أوراش مغرب 2030»، فإن التحدي الحقيقي هو أن يشعر المغربي المقيم بالخارج بأنه ليس فقط موضوعاً للخطاب، بل شريكاً في المبادرة والاستثمار والتنمية. والشراكة لا تقاس بعدد الكلمات التي تقال في المناسبات، وإنما بعدد المشاريع التي تجد طريقها إلى التنفيذ.

وتبقى تجربة سمير بومسعود وزملائه من أبناء الجالية جديرة بالاهتمام، لأنها تقدم نموذجاً عملياً لما يمكن أن يقدمه مغاربة العالم عندما يقررون تحويل ارتباطهم بالوطن من مجرد عاطفة إلى مشروع ومبادرة ومسؤولية. وهي، في الوقت نفسه، تضع المؤسسات أمام سؤال بسيط لكنه ثقيل: هل نحن أمام مغاربة عالم نريدهم فعلاً في صلب الأوراش، أم أمام شعار جميل نحتفل به مرة في السنة ثم نعود إلى قواعد اللعبة القديمة؟

والسؤال اليوم ليس فقط: ماذا يستطيع مغاربة العالم أن يقدموا للحسيمة؟ بل أصبح من المشروع أيضاً أن نسأل: ماذا تستطيع المؤسسات المحلية أن تقدم لهؤلاء حتى لا يتحول حماسهم إلى خيبة، ومشاريعهم إلى ملفات مؤجلة، وعودتهم إلى الوطن إلى رحلة قصيرة تنتهي قبل أن يبدأ المشروع؟

فالوطن الذي يفتح أبوابه لأبنائه في الخطابات، عليه أن يفتح أمامهم أيضاً أبواب الشراكة والإنصاف وتكافؤ الفرص على أرض الواقع. وإلا فإن عبارة «المغاربة المقيمون بالخارج في صلب أوراش مغرب 2030» ستظل جميلة جداً في الخطب والبلاغات …. وأقل جمالاً بكثير عندما تصل إلى مكتب الدعم والتمويل.

10/08/2026

مقالات خاصة

Related Posts