تشهد مدينة الحسيمة، خلال السنوات الأخيرة تنامياً لافتاً في ظاهرة احتلال الملك العمومي، ولا سيما على مستوى شارع محمد الخامس، في مشهد يثير استياء الساكنة والزوار، ويطرح أكثر من علامة استفهام حول مدى فعالية آليات المراقبة والتدخل من طرف الجهات المختصة.
وتتجلى مظاهر احتلال الفضاءات العمومية في استغلال الأرصفة والممرات لفائدة أنشطة مختلفة، الأمر الذي يؤثر على انسيابية حركة الراجلين، ويشوّه المشهد الحضري لمدينة تُقدَّم باعتبارها إحدى أبرز الوجهات السياحية على ساحل البحر الأبيض المتوسط .
لكن اللافت أن هذا الوضع يأتي في سياق تصريحات منسوبة إلى باشا مدينة الحسيمة، خلال اجتماع عقد على هامش إحدى اللقاءات الرسمية بعمالة الإقليم، تحدث فيها عن مظاهر الفوضى مع أحد الأمنيين ، والتي تعرفها مختلف جماعات الإقليم، وبالأخص مدينة الحسيمة.
وبحسب مصدر مقرب من ذات المسؤول ، فقد أرجع الباشا هذه الفوضى، وفق تصوره، إلى ما اعتبره عدم رغبة سكان المنطقة في فهم التطور والاندماج، بل إنه وصف، حسب المصدر الموثوق ، بعض الساكنة بعبارة ( مايفهموش ) ، معتبراً أن السكان «ألفوا العيش في الفوضى».
كما نُسب إليه القول إن الإدارة، مهما قامت به من إجراءات، تجد صعوبة في تغيير هذا الواقع، مضيفاً أن بعض مظاهر التنظيم والنظافة والترتيب لا تتناسب، حسب زعمه، مع تصورات فئات من السكان.
وفي ما يتعلق باحتلال الملك العمومي، تحدث الباشا، وفق المصدر نفسه ، عن كون أغلب المواطنين وأصحاب الأنشطة يفضلون استمرار هذه الوضعية، وهو ما ربطه بصعوبة قيام السلطات بتحرير الملك العمومي وتنظيم الأسواق والفضاءات العامة.
غير أن هذه التصريحات، في حال تأكد صدورها بهذه الصيغة، تفتح الباب أمام سؤال جوهري: إذا كانت السلطات تعرف بوجود الفوضى واحتلال الملك العمومي، فمن المسؤول عن استمرار هذه الوضعية؟
فما يحدث في شارع محمد الخامس لا يجري في منطقة معزولة أو بعيدة عن أعين السلطات، وإنما في واحد من أبرز شوارع مدينة الحسيمة، وأمام المواطنين والزوار، وفي فترة تعرف فيها المدينة إقبالاً كبيراً خلال فصل الصيف.
وهنا تبرز مسؤولية الجهات المكلفة بالمراقبة، سواء تعلق الأمر بالسلطات المحلية أو المصالح الجماعية المعنية، في ضمان احترام الملك العمومي وتنظيم استغلاله وتطبيق القانون بشكل متوازن على الجميع.
فإذا كانت الساكنة، وفق التصريح المنسوب إلى الباشا، قد «ألفت العيش في الفوضى»، فإن دور الإدارة، في المقابل، يفترض أن يكون هو فرض التنظيم وتطبيق القانون، وليس الاكتفاء بتشخيص الظاهرة أو إرجاعها إلى سلوك المواطنين.
كما أن القول بأن أغلب المواطنين لا يتقبلون التنظيم لا يمكن أن يشكل، في حد ذاته، مبرراً لاستمرار احتلال الأرصفة والممرات، أو لترك مظاهر العشوائية تتحول تدريجياً إلى أمر واقع.
ويطرح استمرار هذه الوضعية، أمام أعين المواطنين، تساؤلات إضافية حول مدى انتظام عمليات المراقبة، وحول ما إذا كانت إجراءات تحرير الملك العمومي تطبق بالصرامة نفسها على مختلف المستغلين، ودون انتقائية أو استثناءات.
والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم: إلى متى ستستمر هذه الفوضى؟
الحسيمة، التي تحمل لقب «جوهرة البحر الأبيض المتوسط»، تحتاج إلى تدبير حضري يواكب مؤهلاتها السياحية، ويحافظ على جمالية شوارعها وفضاءاتها العمومية، بدل ترك بعض المظاهر العشوائية تتحول إلى مشهد يومي مألوف.
كما أن حماية الملك العمومي لا ينبغي أن تكون مجرد حملات ظرفية أو موسمية، وإنما مسؤولية مستمرة تتطلب مراقبة ميدانية منتظمة، وتطبيق القانون على الجميع، مع مراعاة حقوق أصحاب الأنشطة المشروعة، وفي الوقت نفسه ضمان حق المواطنين في استعمال الأرصفة والممرات والفضاءات العمومية.
ومن هنا، فإن التصريحات المنسوبة إلى باشا الحسيمة تجعل النقاش يتجاوز مسألة «اعتياد الساكنة على الفوضى»، ليصل إلى سؤال أكبر يتعلق بمسؤولية الإدارة نفسها: هل الفوضى مفروضة على السلطات، أم أن استمرارها هو نتيجة لضعف المراقبة وغياب التدخل الحازم؟
أما عامل إقليم الحسيمة، فالمطلوب اليوم ليس فقط تدبير الملفات من داخل المكاتب، بل الوقوف ميدانياً على واقع المدينة، ومعاينة ما يجري في شوارعها وأحيائها، وعلى رأسها شارع محمد الخامس، والوقوف على مدى احترام الملك العمومي، واتخاذ الإجراءات اللازمة للحفاظ على صورة الحسيمة ومكانتها كمدينة سياحية.
فالمواطن لا يحتاج إلى سماع تفسيرات عن أسباب الفوضى بقدر ما يحتاج إلى رؤية نتائج ملموسة على الأرض.
والحسيمة لا تحتاج إلى تبرير مظاهر احتلال الملك العمومي، وإنما إلى إدارة قادرة على تنظيمه وتحريره وتطبيق القانون بشأنه، بما يضمن كرامة المواطن، ويحافظ على جمالية المدينة، ويكرس مبدأ المساواة أمام القانون.
