لم تكن جولة عامل إقليم الناظور، خلال فعاليات اليوم الوطني للمهاجر، مجرد محطة بروتوكولية لتبادل التحيات والتقاط الصور أمام الأروقة، بعدما تحولت إحدى محطاتها إلى لحظة ساخنة أعادت ملف التمويل البنكي إلى قلب النقاش الاقتصادي. فعندما توقف العامل بجناح البنك الشعبي للناظور–الحسيمة، لم يكتفِ بالسؤال عن الخدمات المعروضة أو شعارات مواكبة الاستثمار، بل انتقل مباشرة إلى السؤال الذي يبدو أنه لا يروق كثيراً: كم من أموال الناظوريين تُجمع هنا، وكم منها يعود إلى الناظور في شكل استثمارات ومشاريع وفرص شغل؟
كان النقاش هذه المرة مختلفاً؛ فالعامل أراد أرقاماً ومعطيات حول حجم الودائع، وحجم التمويلات الموجهة إلى المقاولات والمستثمرين، وطبيعة المشاريع التي استفادت من القروض، ومدى مساهمة المؤسسة البنكية في الدينامية الاقتصادية التي يعرفها الإقليم. فالناظور ليست مجرد منطقة تستهلك الخدمات البنكية، بل إقليم يقف على عتبة تحول اقتصادي كبير، من ميناء الناظور غرب المتوسط إلى الاستثمارات الصناعية واللوجستية والسياحية، فضلاً عن الإمكانيات الاستثمارية التي يحملها مغاربة العالم.
لكن يبدو أن السؤال الحقيقي لم يكن عن كم يدخل إلى البنك، وإنما عن كم يخرج منه باتجاه الاقتصاد المحلي. وهنا تبدأ الحكاية التي تستحق فعلاً أن تُروى: ودائع تتراكم، ومشاريع تنتظر، ومقاولات تبحث عن التمويل، وشباب يحملون أفكاراً استثمارية، ثم تأتي «الضمانة» لتجلس في منتصف الطريق مثل حارس بوابة لا يسمح بالمرور إلا لمن يملك ما يضمن له المرور! أما من لا يملك عقاراً أو ضمانات ثقيلة، فربما عليه أولاً أن يصبح غنياً حتى يحصل على القرض الذي سيساعده على أن يصبح غنياً!
والسؤال الأكثر إحراجاً، والذي ينبغي أن يكون في صلب النقاش، يتعلق بالمقاولات التي لا تتوفر على الضمانات الكافية. ما مصيرها؟ هل يكفي أن يُقال لصاحب المشروع إن ملفه جيد، وفكرته قابلة للتنفيذ، وسوقه واعد، ثم تضاف في آخر الصفحة عبارة: «لكن لا توجد ضمانات»؟ وماذا عن التدابير البديلة التي يمكن أن تمنح هذه المقاولات فرصة حقيقية للانطلاق؟ وهل توجد آليات لتقاسم المخاطر ومواكبة المشاريع القابلة للحياة بدل تركها تسقط عند أول حاجز بنكي؟
فالمشكلة أن المقاولة الصغيرة والمتوسطة قد لا تكون فقيرة في الأفكار، لكنها فقيرة في الضمانات. وقد يكون صاحب المشروع قادراً على خلق عشرات فرص الشغل، لكنه لا يملك عقاراً يستطيع رهنه. وهنا تحديداً يفترض أن تظهر قيمة المؤسسة المالية كشريك في التنمية، لا كآلة حسابية تقول للمقاول، بشكل ساخر: أثبت أولاً أنك لا تحتاج إلى القرض، وبعدها سنرى إن كنا سنمنحه لك! أما أن تكون كل المخاطر على صاحب المشروع، وكل الضمانات مطلوبة منه، ثم نتحدث عن «تشجيع المبادرة»، فهذه معادلة تستحق فعلاً إعادة النظر.
وحسب المعطيات المتداولة حول الواقعة، فإن الأجوبة التي تلقاها عامل الإقليم لم تكن، وفق ما ظهر، في مستوى الأسئلة التي طرحها، الأمر الذي جعل النقاش يأخذ منحى أكثر حدة. فالموضوع لم يعد مجرد حديث عابر عن الخدمات البنكية، وإنما تحول إلى مساءلة مباشرة حول الدور الاقتصادي للقطاع المالي في إقليم يريد أن ينتقل إلى مرحلة جديدة. وبمعنى آخر: هل البنك مجرد محطة لإيداع الأموال وسحبها، أم أنه شريك حقيقي في صناعة الاستثمار؟
وفي خضم النقاش، استحضر عامل الإقليم، وفق ما تم تداوله بشأن اللقاء، التوجيهات الملكية السامية الواردة في خطاب عيد العرش بشأن ضرورة انخراط القطاع المالي في الدينامية الاستثمارية والتنموية. وهي رسالة لا تحتاج إلى كثير من الشرح: إذا كانت الدولة تفتح الأوراش الكبرى، وتستثمر في البنيات التحتية، وتستقطب المستثمرين، فإن القطاع البنكي مطالب بأن يكون في قلب هذه الدينامية، لا أن ينتظر المشروع حتى يصبح مضموناً بنسبة مائة في المائة، ثم يفتح له الباب.
الناظور اليوم ليست هي الناظور التي كان يمكن أن تكتفي فيها المؤسسات المالية بدور تقليدي. فميناء الناظور غرب المتوسط يفتح أفقاً اقتصادياً جديداً، والاستثمارات المرتقبة ترفع سقف الانتظارات، ومغاربة العالم يبحثون عن فرص لتحويل مدخراتهم إلى مشاريع. ولذلك فإن السؤال يصبح أكثر إلحاحاً: هل الأموال التي تُجمع في الإقليم تتحول فعلاً إلى قوة اقتصادية داخله، أم أن الناظور تظل ممتازة في إيداع الأموال، بينما الاستثمار مطالب بالبحث عن أبواب أخرى؟
والأمر لا يتعلق فقط بعدد القروض، بل بنوعية المستفيدين منها أيضاً. كم عدد المقاولات الصغيرة التي استفادت؟ وكم عدد حاملي المشاريع الشباب الذين وجدوا التمويل؟ ماذا عن المستثمر الذي لا يملك عقاراً؟ وماذا عن مغربي العالم الذي يريد إنشاء مشروع دون أن تكون لديه ضمانات ضخمة؟ وماذا عن المقاولة التي تعثرت مؤقتاً لكنها قابلة للإنقاذ؟ هل توجد حلول للمواكبة وإعادة الهيكلة والتمويل التدريجي، أم أن القاعدة تختصر كل شيء في سؤال واحد: «أين الضمانة؟»
إذا كان المستثمر مطالباً بالمبادرة والمجازفة، فإن المؤسسة المالية مطالبة أيضاً بتطوير أدواتها لمواكبة المخاطر المحسوبة. فالتمويل لا ينبغي أن يبدأ فقط عندما يصبح المشروع ناجحاً، لأن المشروع الناجح غالباً لم يعد يحتاج إلى إنقاذ؛ التمويل الحقيقي هو الذي يساعد المشروع القابل للحياة على عبور أصعب مراحله. وإلا سنصل إلى مفارقة عجيبة: نطلب من الشباب أن يخلقوا المقاولات، ثم نطلب منهم أولاً أن يمتلكوا ما يكفي من الثروة حتى نمنحهم التمويل!
واللافت في الواقعة أن هذا النقاش لم يخرج من ندوة سياسية أو احتجاج لمقاولين غاضبين، بل ظهر خلال جولة رسمية وفي مناسبة يفترض أنها للاحتفاء بمغاربة العالم والاستثمار. وهذا ما يعطيه دلالة أكبر، لأنه يضع منظومة التمويل والمواكبة أمام اختبار حقيقي: هل تستطيع فعلاً مواكبة المرحلة المقبلة للناظور، أم أن شروط الأمس ستظل تحكم اقتصاد الغد؟
لقد انتهى زمن الاكتفاء بعبارات جميلة من قبيل «تشجيع الاستثمار» و«مواكبة المقاولات». المطلوب اليوم هو كشف الحساب: كم مشروعاً موّل القطاع البنكي في الناظور؟ وكم ملفاً رفض؟ وكم ملفاً رُفض بسبب غياب الضمانات؟ وماذا حدث لأصحابه بعد الرفض؟ وهل تم اقتراح بدائل وتمويلات مضمونة أو آليات للمواكبة؟ هذه ليست أسئلة للمزايدة، بل أسئلة ضرورية إذا كان الهدف فعلاً هو جعل التمويل رافعة للتنمية.
الناظور مقبلة على ورش اقتصادي ضخم، والشباب يبحث عن فرص، والمقاولات الصغيرة والمتوسطة تكافح من أجل الاستمرار، ومغاربة العالم يملكون إمكانيات استثمارية مهمة. وفي المقابل، لا يمكن أن يبقى القطاع المالي متفرجاً على المشهد من مقاعد الصف الأول، مكتفياً بانتظار المشاريع التي تحمل معها ضماناتها جاهزة. المطلوب أن يتحول البنك إلى شريك في صناعة المشروع، وأن تكون لديه الجرأة الكافية للبحث عن حلول للملفات القابلة للحياة، لا الاكتفاء بتعداد أسباب الرفض.
فالمطلوب اليوم ليس فقط فتح الشبابيك أمام الزبناء، بل فتح الأبواب أمام الاستثمار. وليس المطلوب فقط جمع الودائع، بل إعادة تدوير جزء منها داخل الاقتصاد المحلي. وليس المطلوب أن تتحمل البنوك المخاطر بلا حساب، وإنما أن تستخدم كل الآليات المتاحة لتقاسم المخاطر ومواكبة المقاولات، خصوصاً تلك التي لا تملك ضمانات عقارية ضخمة لكنها تملك مشروعاً وسوقاً وفرصاً حقيقية للنجاح.
ولعل المفارقة التي تختصر كل شيء هي أن الناظور تريد أن تصبح قطباً اقتصادياً كبيراً، بينما قد يجد مقاول شاب نفسه أمام سؤال بسيط لكنه قاتل: «هل عندك الضمانة؟» فإذا كانت الإجابة نعم، فربما تبدأ رحلة التمويل؛ وإذا كانت لا، فقد تبدأ رحلة البحث عن التمويل في مكان آخر! وبين الرحلتين تضيع أحياناً مشاريع، وتتأخر استثمارات، وتتبدد فرص شغل كان يمكن أن ترى النور.
لذلك، فإن الاختبار الحقيقي للقطاع البنكي في الناظور لا ينبغي أن يقاس فقط بحجم الأموال التي يجمعها، وإنما بحجم القيمة التي يصنعها بهذه الأموال داخل الإقليم. ولا ينبغي أن يكون النجاح في عدد الملفات التي تمت المصادقة عليها فقط، بل أيضاً في عدد المشاريع التي تمت مساعدتها على تجاوز العقبات، وعدد المقاولات التي تم إنقاذها، وعدد الشباب الذين وجدوا في المؤسسة المالية شريكاً لا مجرد بوابة مليئة بالشروط.
وفي النهاية، يبقى السؤال الذي فجّرته تلك اللحظة الساخنة أكثر إزعاجاً من كل الشعارات: إذا كانت الضمانة هي مفتاح القرض، فمن يفتح الباب أمام المقاولة التي لا تملك الضمانة لكنها تملك مشروعاً قابلاً للحياة؟ وإذا كان القطاع المالي مدعواً إلى الانخراط في ورش التنمية، فأين هي الأدوات والتدابير التي ستجعل المقاول الصغير قادراً على الدخول من الباب نفسه الذي يدخل منه صاحب الضمانات الثقيلة؟
الناظور لا تطلب صدقة من بنوكها، ولا تريد قروضاً بلا حساب؛ إنها تطلب فقط أن تكون العلاقة عادلة: أموال تُجمع داخل الإقليم، وتمويل يعيد جزءاً منها إلى الإقليم، ومقاولات تجد فرصة للنمو، وشباب يجدون من يؤمن بمشاريعهم. أما أن تبقى «الضمانة» هي البطل الحقيقي في كل قصة تمويل، فقد نحتاج يوماً إلى تمويلٍ خاص لتمويل الضمانة نفسها!
10/08/2026