kawalisrif@hotmail.com

الحسيمة :      قراءة نقدية في مقال حول الهجرة للدكتورة خديجة الحبوبي مديرة المدرسة الوطنية للعلوم التطبيقية

الحسيمة : قراءة نقدية في مقال حول الهجرة للدكتورة خديجة الحبوبي مديرة المدرسة الوطنية للعلوم التطبيقية

يقدم مقال الدكتورة خديجة الحبوبي ، مديرة المدرسة الوطنية للعلوم التطبيقية بالحسيمة، مقاربة مهمة للهجرة غير النظامية من زاوية الفضاء الرقمي والخوارزميات، خصوصاً في سياق أحداث سبتة وما رافقها من انتشار واسع للصور والفيديوهات والشائعات والمحتويات المرتبطة بالهجرة. غير أن هذه المقاربة، رغم أهمية موضوعها، تحتاج إلى قدر أكبر من التوازن والدقة في تفسير الظاهرة، حتى لا يتحول العامل الرقمي من عنصر من عناصر التفسير إلى مفتاح وحيد لفهم ظاهرة شديدة التعقيد.

ولعل أبرز ما يمكن انتقاده في هذا السياق هو أن المقال يمنح الخوارزميات والفضاء الرقمي وزناً تفسيرياً كبيراً، بما قد يوحي بأنهما من أهم أسباب توجه الشباب نحو الهجرة. والحال أن الهجرة غير النظامية ظاهرة أقدم بكثير من المنصات الرقمية، وترتبط بعوامل اقتصادية واجتماعية ومجالية ونفسية وسياسية متعددة، من بينها البطالة، وضعف الثقة في المستقبل، والفوارق الاجتماعية، وتصورات النجاح، فضلاً عن شبكات الهجرة السابقة.

كما أن المقال لا يحسم بشكل واضح العلاقة بين المحتوى الرقمي وقرار الهجرة. فمشاهدة شاب لفيديو عن مهاجر نجح في الوصول إلى أوروبا لا تعني بالضرورة أن الفيديو هو الذي خلق لديه الرغبة في الهجرة. فقد تكون هذه الرغبة موجودة مسبقاً، بينما تقوم الخوارزمية فقط بتعزيزها من خلال تقديم محتويات مشابهة لما يبحث عنه أو يتفاعل معه.

وبالتالي، فإن العلاقة الأدق قد تكون على الشكل التالي: واقع اجتماعي ضاغط، ثم رغبة في البحث عن بديل، ثم البحث عن محتوى رقمي، لتأتي الخوارزمية بعد ذلك وتقوم بتضخيم هذا المحتوى وإعادة إنتاجه أمام المستخدم.

ومن أبرز نقاط الضعف أيضاً غياب الأدلة والبيانات الكمية التي تثبت حجم التأثير الرقمي. فالمقال يطرح تساؤلات مهمة حول تأثير الخوارزميات، لكنه لا يقدم، في النص محل النقد، أرقاماً توضح، مثلاً، عدد الشباب الذين أكدوا أن مواقع التواصل الاجتماعي أثرت فعلياً في قرارهم بالهجرة، أو نسبة القاصرين الذين تأثروا بهذا المحتوى، أو وجود علاقة إحصائية بين استهلاك محتوى الهجرة والاستعداد للعبور.

أما مفهوم «الحصانة الرقمية» الذي تقترحه الحبوبي، فهو مفهوم مهم، لكنه لا يمكن أن يتحول إلى بديل عن معالجة الأسباب الحقيقية للهجرة. فتعليم الشباب كيفية التحقق من المعلومات، وفهم آليات عمل الخوارزميات، واعتماد التفكير النقدي، لن يحل وحده مشكلة شاب يرى أن مستقبله مسدود، أو أن فرص العمل والتعليم والارتقاء الاجتماعي أمامه محدودة.

كما أن التركيز على سبتة من زاوية الصور والفيديوهات والخوارزميات قد يؤدي إلى اختزال ظاهرة متعددة الأبعاد في بعدها الرقمي. فالفضاء الرقمي يمكن أن يساعد في تفسير سرعة انتشار الروايات والصور وتأثيرها، لكنه لا يجيب بمفرده عن السؤال الأعمق: لماذا يصبح بعض الشباب مستعدين للمخاطرة بحياتهم من أجل الوصول إلى أوروبا؟

وتزداد أهمية هذا السؤال عند الحديث عن القاصرين. فالقاصر ليس مجرد «مستخدم ضعيف أمام الخوارزمية»، وإنما هو أيضاً نتاج الأسرة والمدرسة والحي والمجتمع والظروف الاقتصادية، فضلاً عن الصورة الجماعية عن النجاح والمستقبل. وبالتالي، فإن تفسير سلوك القاصرين من خلال المحتوى الرقمي وحده يبقى تفسيراً ناقصاً.

وهناك أيضاً خطر يتمثل في أن التركيز على «الحصانة الرقمية» قد ينقل المسؤولية، ولو بشكل غير مباشر، إلى الشباب أنفسهم: تحقق مما تشاهد، لا تصدق الفيديو، ولا تنخدع بالخوارزمية. في المقابل، ينبغي طرح أسئلة أكثر صعوبة حول مسؤولية المؤسسات والتعليم والتشغيل والعدالة الاجتماعية والمجالية والسياسات العمومية، وكذلك حول مستوى ثقة الشباب في المستقبل.

والخلاصة أن الخوارزمية عامل مؤثر، لكنها ليست تفسيراً شاملاً للهجرة غير النظامية. تستطيع الخوارزميات تضخيم الحلم وإعادة إنتاجه، لكنها لا تخلق بالضرورة الأسباب التي تجعل ذلك الحلم جذاباً.

ولهذا، فإن السؤال الأهم ليس فقط: ماذا يشاهد الشباب على هواتفهم؟ وإنما: لماذا أصبح بعضهم يرى المستقبل الذي تعرضه الشاشة أكثر جاذبية من المستقبل الذي يعيشه في واقعه؟

وهنا تكمن النقطة المركزية في النقد: الهجرة أكبر من فيديو، وأعمق من خوارزمية، وأقدم من منصة. وإذا كانت الخوارزميات تضخم الحلم، فعلينا أن نسأل أولاً: من الذي صنع الفراغ الذي جعل هذا الحلم قابلاً للتصديق؟

10/08/2026

مقالات خاصة

Related Posts