لم تعد ظاهرة انتشار الكلاب الضالة في إقليم الحسيمة مجرد مشهد عابر أو مصدر إزعاج محدود للسكان، بل تحولت إلى ملف يفرض نفسه بقوة على السلطات والجماعات الترابية، بعدما أصبحت مجموعات من الكلاب تظهر في عدد من الأحياء والفضاءات العمومية والمناطق الخضراء، وتمتد الظاهرة إلى القرى والمداشر، وسط شكايات متزايدة ومخاوف بشأن انعكاساتها على سلامة المواطنين والصحة العامة.
وفي خضم هذا الوضع، اختار نور الدين مضيان، النائب البرلماني عن حزب الاستقلال، نقل انشغالات المواطنين إلى المؤسسة التشريعية، من خلال سؤال وجّهه إلى وزير الداخلية تحت عنوان: «حول تنامي ظاهرة انتشار الكلاب الضالة وتعزيز حماية المواطنين»، مطالباً بالكشف عن التدابير المتخذة لمواجهة هذه الظاهرة والحد من تداعياتها.
ونبّه مضيان في سؤاله إلى أن العديد من المدن والجماعات الترابية بمختلف جهات المملكة تعرف انتشاراً ملحوظاً للكلاب الضالة، التي أصبحت مصدر قلق متزايد لدى الساكنة، بالنظر إلى ما قد تسببه من مخاطر على سلامة المواطنين، ولا سيما الأطفال وكبار السن، فضلاً عن المخاطر الصحية المرتبطة بالكلاب غير الخاضعة للمراقبة الصحية.
ويأتي هذا التحرك البرلماني بعد مرور مدة طويلة على اعتماد التوجه الجديد لوزارة الداخلية بشأن تدبير ملف الكلاب الضالة، والقائم على القطع مع أسلوب قتلها بواسطة حملات القنص التقليدية، وتعويضه بمقاربة تقوم على الجمع والتلقيح والتعقيم والإيواء والمراقبة. غير أن مرور هذه المدة يعيد طرح السؤال حول مدى نجاعة البدائل المعتمدة وقدرتها على الحد من انتشار الظاهرة على أرض الواقع.
وفي الحسيمة، يبدو أن المشكلة لا تزال حاضرة بقوة، إذ تتواصل شكايات المواطنين بشأن انتشار الكلاب الضالة في عدد من الأحياء والنقاط، بما فيها بعض المناطق الخضراء والفضاءات المخصصة للساكنة. وهنا يجد المواطن نفسه أمام مفارقة واضحة: الحملة القديمة ممنوعة، بينما الحل البديل لم يصل بعد إلى المستوى الذي يسمح باحتواء الظاهرة والحد من انتشارها.
وفي سؤاله، لم يكتفِ مضيان بتشخيص الوضع، بل استحضر أيضاً التوجيهات الموجهة إلى السلطات والجماعات الترابية بشأن اعتماد مقاربات جديدة تحترم الرفق بالحيوان وعدم اللجوء إلى قتل الكلاب الضالة، متسائلاً عن مدى توفر الإمكانيات والوسائل الضرورية لتنفيذ هذه المقاربة بشكل فعلي ومنتظم، بدل الاقتصار على تدخلات ظرفية لا تعالج أصل المشكلة.
وطالب البرلماني الاستقلالي وزير الداخلية بالكشف عن الإجراءات والتدابير المتخذة لمواكبة الجماعات الترابية وتمكينها من الوسائل الضرورية لتنفيذ برامج فعالة للحد من انتشار الكلاب الضالة، وتطعيمها وتلقيحها وإيوائها ومراقبتها، بما يضمن الحد من تكاثرها وانتشارها، ويحافظ في الوقت نفسه على سلامة المواطنين والصحة العامة.
ولا تبدو الظاهرة، محصورة في مدينة الحسيمة وحدها، إذ تمتد إلى عدد من الجماعات والمناطق القروية والمداشر، وإلى جميع مناطق المغرب تقريبا … وهو ما يجعل التعامل معها بحاجة إلى برنامج إقليمي مستمر، وليس مجرد حملات موسمية أو تدخلات محدودة. فالمطلوب هو تحديد المسؤوليات، وتوفير الإمكانيات، ووضع آليات واضحة للتتبع والمراقبة والتقييم.
وتبدو الرسالة التي يحملها سؤال نور الدين مضيان واضحة: احترام الرفق بالحيوان لا ينبغي أن يتحول إلى ترك المواطن وحيداً أمام ظاهرة متنامية، كما أن حماية المواطنين لا تعني بالضرورة العودة إلى القتل العشوائي. فالمطلوب هو اعتماد حلول عملية تجمع بين حماية الإنسان والتعامل المسؤول مع الحيوانات، عبر الجمع والتعقيم والتلقيح والإيواء والمراقبة.
وبالنسبة إلى سكان الحسيمة، فإن السؤال لم يعد فقط: هل توجد كلاب ضالة؟ فالواقع في عدد من المناطق أصبح كافياً لإثبات حضور الظاهرة. السؤال الحقيقي هو: متى تتحول التعليمات إلى إجراءات ميدانية؟ ومتى يظهر البديل الحقيقي للحملات القديمة؟ ومن سيتحمل مسؤولية حماية المواطن والحيوان معاً؟
ومع استمرار الشكايات من مختلف المناطق، يبدو أن ملف الكلاب الضالة في إقليم الحسيمة يحتاج إلى تدخل جدي ومستدام، ببرنامج واضح ووسائل كافية، لا إلى انتظار وقوع حادث جديد حتى تتحرك الجهات المعنية. فالمواطن يريد حلاً يحميه، والرفق بالحيوان يفرض بديلاً مسؤولاً، وكلا الأمرين لا يحتملان مزيداً من التأجيل.
نور الدين مضيان وضع الملف على طاولة وزير الداخلية، والكرة الآن في ملعب الحكومة والجماعات الترابية: إما حل ميداني واضح يضع حداً للظاهرة، أو استمرار «مصيبة الكلاب الضالة» في شوارع الحسيمة وقراها ومداشرها.
