في ميناء الحسيمة، لم تعد أزمة الثلج مجرد اختلال موسمي يطفو على السطح مع ارتفاع درجات الحرارة، بل تحولت إلى معضلة مزمنة تضع النشاط البحري برمته أمام اختبار صعب، بعدما وجد مهنيون وتجار سمك أنفسهم عاجزين عن تأمين مادة أساسية لحفظ المصطادات وضمان وصولها إلى الأسواق في ظروف سليمة.
وكشفت مصادر مهنية من داخل الميناء أن الأزمة ما تزال تلقي بظلالها الثقيلة على حركة الصيد، رغم الاحتجاجات والتوقفات عن العمل واللقاءات التي جمعت المهنيين بالجهات المعنية، أملاً في إنهاء هذا الوضع الذي يتكرر، وفق إفادات مهنية، منذ سنة 2018، دون أن ينجح المتدخلون في وضع حد نهائي له.
والمفارقة التي تزيد من حدة الغضب أن حاجيات بعض المراكب كانت تصل إلى نحو أربعة أطنان من الثلج خلال الرحلة البحرية الواحدة، قبل أن تنحدر الحصة المتاحة اليوم إلى ما يشبه «الحد الأدنى للبقاء»، إذ لا تتجاوز، في بعض الحالات، خمسة أكياس، بوزن يقارب 40 كيلوغراماً للكيس الواحد، أي حوالي 200 كيلوغرام فقط، وهي كمية يرى المهنيون أنها لا تكفي لتأمين شروط التبريد الضرورية للمصطادات.
وفي الوقت الذي يخرج فيه الصياد إلى البحر بحثاً عن رزقه، يجد نفسه أمام معركة ثانية عند عودته إلى الميناء: كيف يحافظ على جودة ما اصطاده في ظل نقص مادة التبريد؟ وكيف يمكن تسويق المنتوج البحري في ظروف ترتفع فيها درجات الحرارة ويصبح عامل الزمن أكثر حساسية؟ أسئلة لم تعد مهنية محضة، بل باتت مرتبطة بشكل مباشر بمستقبل نشاط اقتصادي واجتماعي تعيش منه أسر عديدة بالمنطقة.
واعتبر فاعل مهني أن معضلة الثلج ما تزال حاضرة بقوة في الساحة البحرية بالحسيمة، خصوصاً خلال فصل الصيف، موضحاً أن وجود شركة واحدة فقط لتغطية حاجيات المنطقة يجعل القدرة على الاستجابة للطلب المتزايد محدودة. لكنه شدد، في المقابل، على أن تحميل الشركة وحدها مسؤولية الأزمة لن يكون كافياً، بالنظر إلى أن المشكل، بحسبه، عمر لسنوات طويلة دون حلول بديلة حقيقية.
وتزداد علامات الاستفهام، وفق المهنيين، أمام استمرار الوضع لثماني سنوات تقريباً، في وقت كان يفترض أن تكون هذه المدة كافية لتشخيص مكامن الخلل وبناء منظومة قادرة على مواجهة الطلب وضمان استمرارية التموين. غير أن واقع الميناء، كما تصفه المصادر المهنية، لا يزال يعيد المشهد نفسه كل صيف، وكأن الأزمة تحولت إلى موعد موسمي ثابت لا يغيب عن رزنامة قطاع الصيد بالحسيمة.
ويضع المهنيون المسؤولية أيضاً على عاتق الجهات المتدخلة، مطالبين بإيجاد حلول جذرية بدل الاكتفاء بالاجتماعات والوعود، خصوصاً أن ارتفاع عدد المراكب أو زيادة النشاط مستقبلاً قد يجعلان الأزمة أكثر تعقيداً. فالمشكل، في نظرهم، لم يعد يتعلق بنقص عابر في مادة معينة، وإنما بمدى جاهزية البنية اللوجستية لمواكبة قطاع بحري يفترض أن يكون أحد روافع الاقتصاد المحلي.
وفي صلب المطالب المهنية، تبرز ضرورة احترام الالتزامات المنصوص عليها في دفتر التحملات، وضمان أولوية تزويد مهنيي الصيد قبل توجيه الإنتاج نحو الفنادق والمطاعم والقطاعات الأخرى. ويقول المهنيون إن هذه الأولوية تصبح أكثر إلحاحاً خلال الصيف، حين يتضاعف الطلب على الثلج بفعل ارتفاع درجات الحرارة وتدفق الزوار والسياح، بينما تظل المصطادات في حاجة إلى تبريد سريع ومستمر لتفادي التلف والحفاظ على جودتها.
وتشير معطيات موثقة في محضر اجتماع رسمي جمع تجار السمك ومهنيي الصيد بالجهات البحرية المسؤولة إلى التزام الشركة المعنية بمنح الأولوية لتزويد تجار السمك بالثلج، بما يضمن السير العادي لعمليات التسويق والحفاظ على جودة المصطادات، إلى جانب التدبير العادل للكميات المتوفرة. غير أن المهنيين يؤكدون أن ما تم الاتفاق بشأنه لم يجد، حسب روايتهم، طريقه الكامل إلى التنفيذ على أرض الواقع.
وهنا تكمن المفارقة الأكبر: اتفاقات تُكتب على الورق، واجتماعات تُعقد، ووعود تُطلق، بينما يبقى المهني في الميدان يواجه الأزمة نفسها. وبين محضر يحمل تعهدات واضحة وواقع يشتكي فيه الصياد من نقص حاد في الثلج، تتسع المسافة بين ما يُقال داخل قاعات الاجتماعات وما يحدث فعلياً عند أرصفة الميناء.
والحسيمة اليوم لا تواجه فقط مشكلة «ثلج»، بل تواجه سؤالاً أكبر حول الحكامة والجاهزية والاستباق. فحين يستمر خلل واحد لسنوات، ويعود كل صيف بالحدة نفسها، فإن السؤال لم يعد: «متى سينتهي النقص؟»، بل أصبح: «لماذا لم يُنهَ أصلاً؟». وبينما تتجه الأنظار إلى الجهات المسؤولة بحثاً عن جواب، يظل الصيادون في مواجهة البحر من جهة، وأزمة اليابسة من جهة أخرى.
وفي النهاية، قد يبدو الثلج مادة بسيطة في حسابات الاقتصاد، لكنه بالنسبة للصياد ليس كذلك. إنه الفاصل بين منتوج يصل إلى السوق في الوقت المناسب، ومصطادات مهددة بالتلف؛ وبين رحلة بحرية ناجحة ويوم آخر مثقل بالخسائر. وإذا ظل الحل مؤجلاً، فقد يأتي يوم لا تكون فيه المشكلة في كمية الثلج التي تصل إلى الميناء، بل في عدد المراكب التي ستظل قادرة على الإبحار أصلاً. عندها، لن يكون السؤال: أين اختفى الثلج؟ بل: من ترك ميناء الحسيمة يذوب ببطء تحت شمس أزمة عمرها ثماني سنوات ؟
11/08/2026